لم تعد مؤسسة منتدى أصيلة مناسبةً احتفالية يفد إليها الضيوف من كل أقطار العالم؛ بل ضربت موعداً مع الجمال والإبداع والفنون لتغدو مقصد النخب الثقافية والفكرية والفنية، وذاكرة يستودعها الزائر والمبدع شيئا من لمساته ولقطاته وحروف شهادته عن المدينة التي جعل منها الوزير الراحل محمد بن عيسى قِبلةً يلتقي فيها ومعها وعليها الشرق والغرب في أبهى صور التلاقي والوئام.ويواصل رئيس مؤسسة منتدى أصيلة حاتم البطيوي وفريق عمله الدور الحضاري والواجب الوطني والإنساني بترسيخ مكانة موسم أصيلة الثقافي الدولي باعتباره كياناً فكرياً وإبداعياً جامعاً ودافعاً إلى التفاؤل بمستقبل واعد للبنيان الذي أُسس على أرض طاب هواؤها، وتخلّق بالفضائل إنسانها، وانفتحت على البشرية جغرافيتها؛ واحتضن المواقف النبيلة تاريخها.ويؤكد الأمين العام لمنتدى أصيلة حاتم البطيوي أن الدورة الـ47 للمنتدى تستقطب 400 شخصية عربية وأجنبية؛ من كبار المفكرين والسياسيين والإعلاميين والفنانين والمبدعين من داخل المملكة المغربية ومن مختلف أنحاء العالم، ممن توطد عشقهم مع المدينة الأثيرة ومنتداها، موضحاً أن الدورة الخريفية للموسم السابع والأربعين، انطلقت تحت رعاية الملك محمد السادس، بشراكة مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل (قطاع الثقافة) ومجلس بلدية أصيلة، ابتداءً من اليوم.يُذكر أن لموسم أصيلة إسهاماً حوارياً وثقافياً وإبداعياً تفاعلياً على امتداد دوراته السابقة، ما عزّز الإشعاع الثقافي للمغرب، وعرّف بدينامية المشهد الثقافي فيه، بحكم حرص المنظمين على التجديد النوعي والكمي، ضمن خيار الاستمرارية والمحافظة على الهوية الفكرية التي طبعت هذا الموعد السنوي الثقافي النوعي منذ انطلاقته عام 1978، باعتبارها تظاهرة هادفة غير مسبوقة في المجال الثقافي غير الحكومي بالمغرب، ما أكسب الحدث الدوري المتميز مصداقية متجددة، فصار موعداً ثقافياً دولياً بامتياز، تقصده النخب السياسية والثقافية العربية والمغربية والأجنبية؛ خصوصاً من دول الجنوب والمنطقة العربية، باعتباره من الواحات الفكرية القليلة في العالم وعالم الجنوب، على الخصوص، التي يجري فيها نقاش خصب بين الفاعلين ومنتجي الأفكار بخصوص قضايا وإشكاليات تهم صميم الراهن الثقافي والمعيشي العام.ولا غرابة أن يلفت موسم أصيلة الأنظار، ويؤجج لواعج المشاعر العاشقة، لمدينة يقال عنها إن روحها من روح المغرب، باعتباره أحد رموز التلاحم الذي يقوم على «تجربة مختلفة جعلت من المغرب واحة استقرار في شمال أفريقيا وفي القارة كلّها، وجسراً بينها وبين أوروبا في الوقت ذاته».واقترح المنظمون برنامجا متنوعا للدورة الخريفية التي تتواصل من 2 إلى 18 أكتوبر، يشمل ندوات متنوعة، وتوقيع إصدارات جديدة، وعروضاً موسيقية، ومعارض وفعاليات خاصة بالفنون التشكيلية، ومشاغل لمواهب الطفل.وينتظر أن تتناول الندوات المبرمجة في إطار الدورة الخريفية، موضوعات عدة على علاقة بالراهن والمستقبل، على غرار «الرهانات الطاقية والمائية في إفريقيا والمشاريع الإستراتيجية: نحو جغرافية سياسية جديدة»، و«العالم العربي في أفق 2030: التحديات والتحولات والآفاق». كما يأتي بعضها بطابع احتفائي وتكريمي، على غرار «طوني مارايني والمشهد التشكيلي المغربي»، و«حسونة المصباحي: سفر في التعابير والأمكنة»، فضلا عن «مبارك ربيع: أصالة الكاتب ومدارج الكتابة» في إطار «خيمة الإبداع»، علاوة على اللقاء الشعري الرابع الذي يتضمن ندوة بعنوان: «الشعراء الجدد في العالم العربي والشعريات المتحولة: من تعدد الأشكال إلى تداخل الوسائط»، مع تنظيم الدورة الثامنة لجائزة بلند الحيدري للشعراء العرب الشباب.وخُصصت فعالية لتوقيع الإصدارات، منها «زمن العبور الهادئ حكاية الانتقال الدبلوماسي في موريتانيا» للكاتب ورئيس الوزراء الموريتاني السابق سيدي محمد ولد بوبكر، و«حكايات على حافة الماء أصيلة، البيت والأهل والعابرون» للكاتب والصحفي اللبناني إسماعيل حيدر، ورواية «أنسجة الفوضى» للكاتب والصحفي المغربي إدريس كسيكس.ويشهد برنامج الدورة تنظيم مجموعة من العروض الموسيقية المتنوعة بفضاء محمد بن عيسى للثقافة والفنون، وفي مكتبة الأمير بندر بن سلطان، فضلاً عن فعاليات خاصة بالفنون التشكيلية، تشمل الحفر والصباغة والليتوغرافيا، بمشاركة فنانين من بلدان عربية وأجنبية، إلى جانب تنظيم «مشغل مواهب الطفل» و«مشغل التعبير الأدبي وكتابة الطفل»، بهدف إتاحة فضاءات للتعلم والتجريب أمام الناشئة، وتنمية قدراتهم الفنية والأدبية. فيما يحتضن رواق محمد بن عيسى للفنون الجميلة، بمركز الحسن الثاني للملتقيات الدولية، معرضاً لأعمال الفنانين التشكيليين المغربيين محمد المرابطي ويونس الخراز، ويستضيف قصر الثقافة معرضاً للصور الفوتوغرافية للراحل محمد بن عيسى، إلى جانب معرض جماعي لإبداعات «مواهب الموسم».وكانت مؤسسة منتدى أصيلة نظمت، ما بين 27 مارس و12 أبريل الماضيين، الدورة الربيعية للموسم، التي خُصصت للفنون التشكيلية، وشهدت تنظيم ورشات فنية في فنون الحفر والليتوغرافيا والصباغة، بمشاركة 14 فنانة وفناناً من المغرب والبحرين وإسبانيا وسوريا وإيطاليا وبريطانيا، مع تنظيم مشغل مواهب الموسم (مرسم الطفل).فيما تميزت الدورة الصيفية، التي جرى تنظيمها ما بين 28 يونيو و5 يوليو الماضيين، ببرامج تضمنت عدداً من الفقرات، منها تنظيم مشغل الصباغة على الجداريات بالمدينة العتيقة، والورشة التي دأبت المؤسسة على تنظيمها منذ عام 1978، وتنظيم ندوة فنية حول «جداريات أصيلة: نحو هوية بصرية للمدينة»، مع افتتاح معرض «أصيلة في ظل ألوانها»، وضم مجموعة من الأعمال الفنية لـ28 فناناً من مدينة أصيلة.ويؤكد الشاعر الفلسطيني وليد خازندار أن «أصيلة» مدينة تشتهر اليوم في المغرب وفي العالم بجدرانها المصورة، إذ «نادراً ما أثرت حركة ثقافية على هوية مدينة بمثل هذه السرعة»، وغدت الجدران التي كانت (تقليدياً) بيضاء؛ سراً من أسرار البلدة العتيقة، وتحوّلت إلى حقول كبيرة للألوان ومنافذ تنفتح على عوالم الخيال، وتشكلت المزاريب أبراجاً وحصونا، وتحفّز الأمطار والأمواج والرياح الناجمة عن تيارات المحيط عشاق أصيلة للتحرك نحو مواعيد لا تُخلفها المواسم ولا تبخل عليها أنامل الحالمين بغدٍ مُشرق بالمعرفة والانتماء والتواصل الإنساني.ويظل أكثر الشواهد حيوية ودلالة على علاقة الحب التي نشأت بين عدد من المثقفين والسياسيين والإعلاميين وبين أصيلة وموسمها الثقافي، تسمية عدد من حدائق المدينة بأسماء مشاهير المشاركين، منهم الشاعر الفلسطيني محمود درويش، والروائي السوداني الطيب صالح، والشاعر العراقي بلند الحيدري، والمفكر المغربي محمد عابد الجابري، والقاص والشاعر والكاتب المغربي أحمد عبد السلام البقالي، والفيلسوف المغربي محمد عزيز الحبابي، والشاعر الكونغولي تشيكايا أوتامسي، ما يمنح كل تسمية لحديقة أبعادًا ودلالات تكرس ثقافة الاعتراف والتقدير لمن فتنتهم هذه المدينة العريقة ومما قاله الطيب صالح، عن أصيلة: «هذه المدينة السحرية تغلغلت في كياني. ولا شك أن الناس سيذكرون من بعد، عندما تنتهي رحلة الحياة، أنني كنت أحد الذين ارتبطوا بها»، فيما يحرص المفتونون بالإسهام في المشهد الثقافي والفني في مدينتهم على غرس قيم الجمال في أجيال الغد من أبناء المدينة. البطيوي: امتداد الأثر وتراكم المنجز وفاءً لـ«بن عيسى»يأتي أمين عام منتدى أصيلة حاتم البطيوي من رحم المكان الذي احتضن أصيلة وهيأ لها مكانةً في قلوب الأدباء والكُتّاب ومراسلي الصحف ووكالات الأنباء؛ ليوطد دعائم بنيان رآه في صباه ينمو معه، وتشرّب فكرته من أستاذه الوزير الدكتور محمد بن عيسى، وكان حفيّاً به في حياته، وفيّاً له عقب رحيله، ومخلصاً للفكرة التي يرى فيها امتداد أثر وتراكم خبرات ومنجزات. ويؤكد البطيوي أن مشروع بن عيسى الثقافي الحضاري باقٍ، والحلم الذي زرعه في أصيلة يتجدّد ويتوالد، إذ ينبت في كل موسم زهرة عالمية، لافتاً إلى أن الثقافة قوة ناعمة قادرة على تغيير مصير المدن، مشيراً إلى أن محمد بن عيسى جسّد فكرة، والفكرة لا تموت. وأضاف سيبقى من «بن عيسى» أسلوب تفكير جمع بين المحلي والعالمي، كونه غرس في تربة المدينة نباتاً مثمراً، بَنَى أصيلة وارتقى بها، وأخرجها من الهامش بمذاق السكينة والصبر، وعدّها بصمة ستظل شاهدة على رجل آمن بأن الثقافة تصنع المعجزات.



