تأتي أسطورة الدنّ ذات محمول ثقافي لمعنى الولادة والقوّة؛ فالإسبرطيون قديماً يضعون الوليد في دنّ نبيذ ليمتحنوا صبره وقوّته واستحقاقه للحياة، ومن ينجو من هذا الغطس فهو يستأهل العيش، وهذه الأسطورة كغيرها من أساطير تحمل في رمزيتها طابعاً ذكورياً في سجلات الذاكرة الثقافية، وترد في النصوص على اختلاف أجناسها، ومما يُوهن النصَّ سقوط الاستحضار في سياق التنصيص الثقافي لتلك السجلات مستبعداً الجانب التوليدي للرمز، ومنحازاً لحرفيّة الطرح والإحالة.ومن خلال تتبع الرمز الأسطوري في شعر ابتسام الصمادي ستتضح علاقة وطيدة بينه وبين النص، وهذا النسق الرمزي يتكرر في مجمل أشعارها، يحيل للولادة والتجدّد والتآلف، الأرض والديمومة، ترفده الأنثى بأسباب حضوره، وتصبح المعادل الرمزي لتشكّله النصّي، قد يذهب القارئ للوهلة الأولى إلى ثقافته النسقية، لكن التلقي النقدي له رؤية أخرى حول تمائم الوقاية من السحر الأسطوري، يحاول إيجاد معادل آخر للنص يتلاءم مع التجربة والرؤية لتكييف المعنى نحو قضايا إنسانية متجدّدة، فالرمز نقدياً هو إعادة توظيف وليس زخرفة، وهذه اللفتة الفنيّة اتّبعتها الشاعرة في غير موضع، وظّفتها بتجربة أكثر شمولاً في تفاعل اللغة مع المخيال الأسطوري وتوليد الإحالة للنسق بإعادة قراءته، ومنحه بعداً جديداً ثقافياً واجتماعياً، فالقصيدة بلغتها وقوافيها لشاعرة لم تقيّدها علامات تذكير الثقافة والأسطورة والرمز، فوظّفتِ الرمز عبر سياقات الولادة والحضور للأنثى التي تلاشت رمزيتها في قوالب النسق، كقصيدة «الرمز حمّال الحطب» على سبيل المثال لا الحصر، تقول في مقدّمتها: «لم تكرّس المرأة المبدعة رموزاً تاريخية خاصة بها توازي الرموز السلبيّة التي تكرّست عبر الزمن، ودخلت الذاكرة الإنسانية عبر الآداب والفنون بأنساق صعبة الاختراق»، وعلى هذا التأسيس الفني تأتي قصيدة «دنٌّ إسبارطي» التي قدّمتْها في مهرجان الشعر العربي أخيراً في إسطنبول، فالرمز يأخذ طابع الانزياح الثقافي للنسق نحو إعادة التموضع الفنّي للمعنى والوظيفة والنقد، والقصيدة هي من خاضت امتحان الولادة عندما أحالت لرمزية الأسطورة، ورمزية إسبرطة التي رُوي عنها أنها مدينة الأسرار والحكايات والفرسان المحاربين الأشداء، مدينة غاص تاريخها باستحالة معرفته كليّاً، مدينة مقاتلة حكمت العالم القديم، وتركت التاريخ حائراً في وثائقها، عاشت حرباً طاحنة مع أثينا فازداد تاريخها تحليلاً، وبقيت محاطة بسحرها وأسرارها، كأنها قصيدة شعر تترك التلقي مفتوح الاحتمالات، تمتد كامتداد المدينة وتوسعاتها عندما تنشر منسوجاتها الشهيرة، والبرونز الإسبرطي المميّز، كأنها القوافي التي يستعرضها الشعراء في حدائق الشعر، فتنسرح قرائحهم كما يلمع سيط فرسان المدينة وحضورهم؛ حتى قيل إن حلم جميلات وفاتنات إسبرطة هو الزواج من فارس إسبرطي، كأنها الشعر ورحلته وما يُنسج عن أساطير ولادته من وادي عبقر، وصعوبة فهم كنه وحيه وإلهامه، لهذا قد تكون ولادته هي أسطورة ديوان العرب ربّما، إذ لا إجابة نهائية ينتهي معها سحر وجوده، هو طاقة متولّدة لا تقف عند حد، وما وحيه أو وديانه إلا لوحة في معرض كبير، وكلٌّ يسافر مع خيوطها إلى معانٍ مختلفة تضيف لها قراءة أخرى، وهكذا تولد القصيدة عبر امتحان اكتمالها، فالإسبرطية لم تحلم إلا بفارس لقلبها اجتاز مخاض الدنّ في ولادته ليكون جديراً بحمله، وليس حكراً عليه إضفاء معنى صلابة محارب مُفترض سيدق أبواب أثينا كما ترسّخه إيحاءات الثقافة النسقية.أمّا وبعدكتبت أم لم تكتبِمن دونما أم رأتنا أو أبِتأتي بأطفال القصيد تغطّهمفي خمرنا، ليموت من لم ينسبِوالوقت ليس لديه من وقت لهليذوب في المعنى البعيد الأقربالقصيدة عدّة مقطوعات تنتصر للولادة بفحواها الإنساني الأكثر عمقاً من التشظي النسقي أحاديّ الإحالة والمعنى، فكانت جديرة بمهرجان الشعر العربي كفارس اجتاز مخاض الولادة ليكون جديراً بقلب أنثى.



