في الوقت الذي يحتفل فيه العالم باليوم العالمي للسياحة، تتجه الأنظار إلى الوجه الآخر لصناعة السفر؛ فبينما تمثِّل السياحة مصدرًا مهمًا للدخل وفرص العمل والتبادل الثقافي، يمكن لتدفق الزوار بأعداد كبيرة أن يضع المدن والوجهات الشهيرة أمام ضغوط متزايدة، تمتد من ازدحام الشوارع إلى استهلاك المياه وتراكم النفايات.ويحلُّ اليوم العالمي للسياحة في 27 سبتمبر من كل عام، بعدما أقرته منظمة السياحة العالمية عام 1979، وبدئ الاحتفال به للمرة الأولى عام 1980. واختيار هذا التاريخ يرتبط بذكرى اعتماد النظام الأساسي للمنظمة في 27 سبتمبر 1970.ومع تزايد حركة السفر العالمية، برزت خلال السنوات الماضية قضية (السياحة المفرطة)؛ بوصفها أحد التحديات التي تواجه عددًا من المدن والوجهات، خصوصًا عندما تتجاوز أعداد الزائرين قدرة المكان على استيعابهم بصورة متوازنة، فتزداد الضغوط على البنية التحتية والموارد الطبيعية ووسائل النقل، إلى جانب انعكاسات اجتماعية وثقافية على حياة السكان. مدن تحت ضغط الزوار تناولت منظمة الأمم المتحدة للسياحة هذه الظاهرة في تقرير أصدرته عام 2018 بعنوان «السياحة المفرطة؟ فهم وإدارة نمو السياحة الحضرية بما يتجاوز التصورات»، وركّزت الدراسة على مواقف السكان تجاه النشاط السياحي في ثماني مدن أوروبية، هي أمستردام وبرشلونة وبرلين وكوبنهاغن ولشبونة وميونخ وسالزبورغ وتالين.وقدم التقرير 11 استراتيجية تتضمن 68 إجراءً يمكن للوجهات الحضرية الاستفادة منها لفهم نمو أعداد السياح والتعامل معه، بما يساعد على تحقيق قدر أكبر من التوازن بين احتياجات السكان ومتطلبات القطاع السياحي.وتشير المنظمة إلى أن التعامل مع نمو السياحة لا يرتبط بمجرد محاولة خفض أعداد الزوار، وإنما يتطلب إدارة أكثر استدامة للموارد والبنية التحتية وحركة التنقل، إلى جانب مراعاة الأبعاد الاجتماعية والثقافية التي قد تتأثر بازدياد كثافة النشاط السياحي.وفي بعض المدن، يمكن أن يتحول نجاح الوجهة وشهرتها إلى مصدر ضغط على الحياة اليومية، مع ازدياد الازدحام والضوضاء وتدفق الزوار إلى المناطق السكنية والمواقع الأكثر شهرة، وهو ما قد ينعكس على نظرة بعض السكان إلى السياحة نفسها. المياه والنفايات تتصاعد ولا تتوقف القصة عند حدود الشوارع المزدحمة والساحات المكتظة؛ فالسياحة تستهلك كميات كبيرة من الموارد؛ بينها المياه والطاقة والأراضي والمواد، فيما يرتبط توسع النشاط السياحي كذلك بزيادة النفايات الصلبة ومياه الصرف وانبعاثات غازات الدفيئة، فضلًا عن الضغوط التي قد تتعرض لها الأنظمة البيئية والتنوع البيولوجي.ويورد برنامج الأمم المتحدة للبيئة سيناريو تقديريًا قديمًا يفترض استمرار السياحة وفق نمط (العمل المعتاد)، ويشير إلى إمكانية ارتفاع استهلاك الطاقة بنسبة 154% بحلول عام 2050، مقابل زيادة قدرها 131% في انبعاثات غازات الدفيئة، و152% في استهلاك المياه، و251% في التخلص من النفايات الصلبة.وهذه الأرقام ليست زيادات حدثت بالفعل، ولا تمثل توقعات جديدة اعتبارًا من عام 2026، بل هي تقديرات مشروطة وردت في صفحة للبرنامج حُدّثت عام 2018، ما يجعل قراءتها مرتبطة بالافتراضات التي بُني عليها ذلك السيناريو. البتراء تواجه معادلة دقيقة وتقدم مدينة البتراء الأثرية في الأردن مثالًا على التحدي الذي تواجهه المواقع ذات القيمة السياحية والتراثية العالية. فبحسب منظمة اليونسكو، تعرّض الموقع لضغوط مرتبطة بالنشاط السياحي مع نمو أعداد الزيارات منذ إدراجه على قائمة التراث العالمي، وتتركز بعض مظاهر الازدحام في نقاط محددة؛ من بينها (السيق) الذي يمثل المدخل الرئيسي للمدينة من الجهة الشرقية.وتلفت المنظمة كذلك إلى احتياجات السكان والسياح من البنية التحتية، وتشدد على أهمية وجود إطار طويل الأمد لإدارة الموقع وتنميته بصورة مستدامة، بما يحميه من الأضرار المرتبطة بضغط الزوار، وفي الوقت نفسه يحافظ على العوائد الاقتصادية والاجتماعية التي توفرها السياحة للمنطقة.وفي قرار صادر عن لجنة التراث العالمي عام 2025، أشير إلى تراجع حديث في أعداد الزوار، مع التأكيد في الوقت نفسه على ضرورة إدارة النمو السياحي وتحديد القدرة الاستيعابية للموقع، والتعامل مع ضغوط التنمية والكثافة العمرانية المحيطة به.وبالتالي، فإن مثال البتراء لا يعني بالضرورة أنها تشهد حاليًا تدفقًا متزايدًا للزوار، بل يوضح الحاجة إلى إدارة النشاط السياحي على المدى الطويل، خصوصًا في المواقع التراثية التي يصعب تعويض أضرارها إذا تجاوزت حركة الزوار قدرتها على التحمل. هل الحل تقليل السياح؟ لا ترى منظمة الأمم المتحدة للسياحة أن مواجهة السياحة المفرطة تعني بالضرورة إغلاق الأبواب أمام الزائرين أو تقليص أعدادهم بصورة مباشرة، بل تطرح مجموعة من الحلول التي تقوم على توزيع الحركة السياحية بصورة أكثر توازنًا.ومن بين هذه الحلول توزيع الزيارات على أوقات مختلفة من العام، وتشجيع السياح على استكشاف مناطق جذب جديدة بدل التركز في المواقع الأشهر، إلى جانب تطوير البنية التحتية وإشراك المجتمعات المحلية والزوار في إدارة النشاط السياحي.وبالنسبة للمسافر نفسه، يمكن أن يبدأ التغيير من توقيت الرحلة؛ فاختيار مواسم أقل ازدحامًا وتجنب فترات الذروة والعطلات التي يرتفع خلالها الطلب قد يمنح الزائر تجربة أكثر هدوءًا، وفي الوقت نفسه يخفف الضغط عن الوجهات الأكثر استقبالًا للسياح.كما أن مقارنة أسعار الرحلات والإقامة بين أكثر من موعد قد تفتح أمام المسافر خيارات أقل تكلفة، وإن كانت الأسعار تختلف بطبيعة الحال بحسب الوجهة والموسم وشركات الطيران والفنادق. سفر أهدأ وأثر أخف وقد يكون اختيار أيام وسط الأسبوع بدل فترات الذروة خيارًا عمليًا للمسافر الذي يبحث عن تجربة أقل ازدحامًا، كما يمكن التوجه إلى مسارات ومواقع بديلة مجهزة لاستقبال الزوار، بدل التكدس في نقطة واحدة أصبحت رمزًا للوجهة السياحية.وفي النهاية، لا تبدو المشكلة في السياحة ذاتها، بل في الطريقة التي تُدار بها عندما تتجاوز حركة الزوار قدرة المدن والمواقع على الاستيعاب. فالسائح يبحث عن تجربة جميلة، والسكان يريدون الحفاظ على مدنهم وحياتهم اليومية، والمواقع التراثية تحتاج إلى حماية طويلة الأمد.وبين هذه المصالح جميعًا، تظهر معادلة السياحة المستدامة: كيف تستمر المدن في استقبال العالم، من دون أن تفقد هدوءها ومواردها وملامحها التي جعلت العالم يأتي إليها أصلًا؟



