يلوح في الأفق سؤال يصدح: هل يتحول التطور التكنولوجي المتسارع إلى فخ يسرق منا مهاراتنا الذهنية الأساسية؟ ففي وقت باتت فيه الإجابات الفورية على بعد نقرة زر واحدة، دق استطلاع جديد للرأي ناقوس الخطر في اسكتلندا، كاشفاً عن مخاوف عميقة تجتاح المجتمع من تراجع القدرة على التفكير الذاتي وتدهور الذاكرة البشرية تحت طغيان الذكاء الاصطناعي.أظهرت دراسة شملت 1002 من البالغين أن الهواجس المرتبطة بتأثير التكنولوجيا على القدرات العقلية لم تعد مجرد نظريات أكاديمية، بل أصبحت قسماً ملحوظاً من الواقع اليومي. ووفقاً للنتائج، أيد أكثر من ثلثي الاسكتلنديين (70%) مخاوفهم من أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي للحصول على إجابات جاهزة يجعل الناس يفكرون بأنفسهم بشكل أقل بكثير.ولم يتوقف الأمر عند حدود التفكير النقدي، بل امتد للذاكرة، إذ أفاد أربعة من كل عشرة بالغين (41%) بأن التكنولوجيا أدت فعلياً إلى تدهور ذاكرتهم. وتتفاقم هذه النسبة بشكل صارخ بين الفئات العمرية الشابة، لترتفع إلى 52% بين الشباب من سن 18 إلى 29 عاماً، وتصل إلى 53% بين من هم في الثلاثينيات من العمر، مما يعكس تحذيراً مبكراً لجيل نشأ في عالم الشاشات الرقمية.في ذات السياق، وصفت البروفيسورة آنا باسيري مديرة مركز علوم البيانات والذكاء الاصطناعي بجامعة غلاسكو، هذه النتائج بأنها «لافتة للنظر ولكنها غير مفاجئة»، موضحة أن التقنيات السابقة مثل الهواتف الذكية وأنظمة تحديد المواقع (GPS) تسببت في تراجع صامت لمهاراتنا العقلية، إلا أن الذكاء الاصطناعي يمثل قفزة نوعية واسعة النطاق تهدد بإقصاء البشر تماماً عن عملية تشكيل ذكرياتهم.وفي محاولة لمواجهة هذا المد الرقمي، تشهد أنشطة التحدي الذهني التقليدية إقبالاً متزايداً، إذ تشير سارة غان رئيسة منظمة «Scottish Bridge»، إلى أن الأنشطة الاجتماعية والألعاب التي تتطلب تفكيراً استراتيجياً بعيداً عن الشاشات باتت الملاذ الآمن للبحث عن تمرين حقيقي للذاكرة والعقل قبل فوات الأوان.


