في شوارع كابول التي غابت عنها الموسيقى منذ سنوات، يخوض سائقو سيارات الأجرة معركة يومية مليئة بالمخاطر لاستعادة جزء من هويتهم الثقافية. لم تعد المسألة مجرد رغبة في الاستماع إلى أغنية شعبية، بل تحولت إلى مناورة مكشوفة ضد دوريات «شرطة الآداب» التابعة لوزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.تتكرر المشاهد ذاتها يومياً عند كل حاجز أمني، حيث ترتفع الأيدي بسرعة لخفض مستوى الصوت أو نزع وحدات التخزين الرقمية. يقول السائق الشاب روئين: «بمجرد أن نلمح نقطة التفتيش، نطفئ الراديو فوراً». هذه الإستراتيجية البسيطة هي كل ما يملكه السائقون لتفادي العقوبات أو مصادرة أجهزتهم، وسط انتشار أمني يستهدف حتى من يرتدون سماعات الرأس في الصالات الرياضية أو المتنزهات.لم تعد الملاحقة الأمنية تقتصر على الصوت الصادح من نوافذ المركبات، بل تطورت إلى تفتيش مباغت لبطاقات الذاكرة وشرائح الـ«USB». ووفق شهادات ميدانية، تعرض سائقون للإيقاف وأتلفت وحدات التخزين الخاصة بهم علناً بمجرد ضبط مقاطع غنائية عليها، بالتوازي مع حملات إقليمية تنفذها السلطات لمصادرة الآلات الموسيقية وإحراقها في الميادين.وأمام غياب وسائل النقل العامة واختفاء دور السينما والمهرجانات، أصبحت مقاعد سيارات الأجرة المكان الأخير الذي يجتمع فيه الشبان الأفغان لالتقاط أنفاسهم. وعلى الرغم من حالة التوتر القائم والخوف الدائم من إيقاف السيارة، يرى السائقون أن الاستمرار في تشغيل الأغاني لم يعد مجرد تسلية، بل بات أسلوباً سلمياً للرفض والتأكيد على أن الفن الأفغاني عصيٌّ على المحو.



