يكفي أن يقول أحدهم «وأنا بُر وأنا دُخن» حتى تظهر خلف العبارة حياة كاملة. البر والدخن اسما محصولين، لكنهما في ذاكرة جازان يتجاوزان المائدة إلى معنى أوسع. كان الآباء والأمهات يردون بهذه العبارة على من يطلب منهم حاجة، فيكون الرد إعلاناً عن الاستعداد لتلبيتها. من هذه الجملة يبدأ عبد الرحمن موكلي كتابه «وأنا بُرْ وأنا دُخْنْ»، ثم يترك البر والدخن يقودانه إلى المرسة والخبز والتنور والحصاد والأسواق والطقوس واللغة. يفتتح موكلي كتابه بإهداء إلى والده «أورثتني أرضاً وضيعتها، وسلاحاً وبعته، وبقيت مواقفك تدلني كلما تهت». تضع العبارة الأرض في بداية الكتاب ثم تعود في صفحاته بأشكال مختلفة حتى تصل إلى المطبخ والذاكرة. الأب غائب لكن مواقفه باقية، والأرض التي ضاعت تستعيد حضورها عبر الكتابة.ولنلقِ نظرة على المرسة. طبق جازاني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عند موكلي يفتح أبواباً كثيرة. بر ودخن، ونساء تعملن في البيوت، ثم قرص يخرج ساخناً ليبدأ منه إعداد الطعام. المرسة لا تصل إلى الصحن دفعة واحدة. خلفها عمل يبدأ من الحبة وينتهي بالمائدة. كان للمرسة حضور خاص في الأعياد. يتذكر موكلي أيام رمضان وعيد الحج، حين كانت البيوت تتبادل الصحون، ويحمل الناس الطعام إلى الجيران. كانت المرسة حاضرة إلى جانب الأرز والسمك واللحم، وظلت في قلب وجبة العيد. الصحن الذي ينتقل من بيت إلى آخر يحمل معه شيئاً من علاقة الجيران ببعضهم، وتصبح المائدة سجلاً صغيراً للحياة الاجتماعية.يستعيد موكلي المرسة كما عرفها في طفولته، من عجن البر حتى الخبز في التنور، ثم إخراج الأقراص الساخنة التي تدخل في إعداد الطبق. تظهر النساء في هذه الذاكرة صاحبات معرفة عملية بالطعام، معرفة ظلت تنتقل داخل البيوت حتى وصلت إلى الأجيال اللاحقة. ويطرح الكتاب سؤالاً آخر. لماذا بقيت كلمة «مرس» نفسها؟ وما الذي تخفيه اللغة داخل اسم طبق ظل حاضراً في الحياة المحلية؟ يتوقف موكلي عند الكلمة ونطقها واستعمالها، ويتعامل معها كأثر يحتاج إلى التنقيب. اسم الطبق يقود إلى تاريخه بقدر ما يقود إلى مكوّناته.ومن المرسة يعود الكاتب إلى «وأنا بر وأنا دخن». كان يمكن للعبارة أن تبقى عند معناها الشعبي المباشر، لكنه يسأل عن المكانة التي احتلها البر والدخن في المجتمعات الزراعية القديمة. يقوده البحث إلى الحبوب والخصب والحصاد، وإلى حضور المنتجات الزراعية في الأعياد والمناسبات والطقوس القديمة. بعض هذه الصلات يظل عنده في دائرة البحث والاحتمال، وهي مساحة تستحق أن تبقى مفتوحة.يصبح الكتاب هنا أكثر إثارة. فالعادة التي تبدو عادية اليوم ربما مرت عبر أزمنة طويلة قبل أن تصل إلى صورتها الحالية. طبق يأكله الناس في العيد، عبارة يقولها الآباء، طريقة لإعداد الطعام، أو طقس مرتبط بالعرس والحصاد. يمكن لكل واحدة منها أن تحمل أثراً لمعنى أقدم، تغيّر اسمه وبقي شيء من صورته.لا يتوقف موكلي عند البر والدخن. ينتقل إلى الصبحية، إلى السمن واللحم واللبن، إلى الأضاحي والحول، ثم إلى السلي والشمب وتقسيس العيش والعزبة ورد البير. ويتسع الكتاب حتى يصل إلى الحمام واليمام والحوت. تبدو العناوين متفرقة في البداية، ثم يجمعها عالم واحد، عالم الإنسان الذي يعرف طعامه لأنه يعرف أرضه وماءه وماشيته وسوقه ومواسمه. وفي جازان، كما يوضح موكلي، يطلق اسم الحوت على السمك، وله مفرداته الخاصة، من اسم البائع إلى مكان البيع. يسأل الكاتب كيف يمكن أن يكتب عن الحوت من دون معرفة أنواعه ومواسم صيده وطرق طبخه. ومن هنا تخرج الكتابة عن المطبخ إلى السواحل والناس الذين عاشوا عليها. تتضح حركة الكتاب أكثر مع هذا الانتقال المستمر بين الأشياء.



