حين يُستعاد تاريخ الطب النفسي في المملكة، يبرز اسم الدكتورة منى الصواف بوصفها أحد الأسماء التي أسهمت في نقل هذا التخصص من دائرة التحفظ المجتمعي إلى مساحة الوعي والطرح العلمي المتزن. لم تكن مجرد استشارية تمارس عملها الإكلينيكي، بل طبيبة آمنت بأن الصحة النفسية ركيزة أساسية في بنية المجتمع، وأن معالجتها تبدأ بالمعرفة قبل الدواء.تولّت الصواف رئاسة وحدة الطب النفسي في مستشفى الملك فهد بجدة، حيث قادت فريقاً علاجياً في مرحلة كانت الحاجة ملحّة إلى تعزيز الخدمات النفسية وتطوير أدوات التشخيص والعلاج. عُرفت بحضورها المهني الصارم، واهتمامها بتحديث البروتوكولات العلاجية، وإدخال مفاهيم حديثة في التعامل مع اضطرابات المزاج والقلق والإدمان.ومن أبرز محطات مسيرتها تخصصها في علاج إدمان النساء؛ وهو مجال شديد الحساسية اجتماعياً، تطلب جرأة علمية وإنسانية في آنٍ واحد. عملت خبيرة في هذا الحقل، وشاركت في برامج دولية متقدمة، ما منحها احتكاكاً بالمدارس العلاجية العالمية، وأعادت توظيف تلك الخبرات في البيئة المحلية بما يراعي خصوصيتها الثقافية والاجتماعية.لم يكن تأثيرها حبيس العيادات، فقد حضرت في الندوات والبرامج الإعلامية، وتحدثت بلغة هادئة واضحة عن أهمية كسر الوصمة المرتبطة بالمرض النفسي، مؤكدة أن العلاج النفسي ضرورة للصحة العامة، وأن الوقاية النفسية جزء من ثقافة الحياة.رحلت الدكتورة منى الصواف (رحمها الله) بعد مسيرةٍ مهنية تركت فيها أثراً علمياً وإنسانياً واضحاً. وبرحيلها، فقد الوسط الطبي شخصيةً جمعت بين التخصص العميق والرسالة التوعوية، لكن إرثها المهني يبقى شاهداً على مرحلةٍ مهمة من تطور الطب النفسي في المملكة.


