ترددتُ كثيراً قبل الكتابة عن ليلةٍ اتحادية أقيمت بشكل ودي غير مسموح نشرها إعلامياً ولكن حاستي الصحفية فرضت اختراق هذه السرية بـ«مهنية» بحتة، ذلك أن بطل هذه الأمسية الرمضانية شفافية رئيسٌ ما شاء الله عليه، وإعلامٌ حرّ لم يكن ساكناً، بل كان ثائراً من بعض الحاضرين، فيما فضّل آخرون حكمة الصمت –وكنتُ منهم– والاستماع الجيد الذي يقود إلى المعرفة والحقيقة، ويكشف من حاول تشويهها أو تجنّى عليها بالباطل، ممن أكلت عقولهم دودة «الذاتية» فدفنتهم في حفرة «الأنا» والحقد والكراهية.- ليست كل اللقاءات تُصنع للصور، ولا كل التصريحات تُقال للاستهلاك. ما حدث في تلك الليلة لم يكن اجتماعاً عابراً بين رئيس نادٍ وإعلاميين، بل كان مواجهة صريحة بين مشروع يريد أن يمضي، وضجيجٍ اعتاد أن يعيش على الهامش، تمنيتُ لو أن اللقاء الذي جمع رئيس نادي الاتحاد المهندس فهد سندي بنخبةٍ من الإعلام الرياضي المهتم بشؤون هذا الكيان الكبير قد نُقل تلفزيونياً؛ ليشاهد الجمهور الاتحادي حواراً تجلت فيه شجاعة رئيسٍ قبل المواجهة وجهًا لوجه، فتحدث بلباقة الفرسان ولهجة الواثق من نفسه. لم يكن كلامه إنشائياً مزخرفاً بالكلمات الرنانة، بل كانت ثقافة المعلومات الدقيقة والإحصاءات الصحيحة سلاحه الذي أثار دهشة الحاضرين. -في تلك الأمسية، التي نظمها ورتبها وهندس هذا اللقاء الودي مدير عام إدارة الأعلام والاتصال الزميل رياض المزهر حيث ظهر رئيس نادي الاتحاد المهندس فهد سندي بصورة مختلفة كان واضحًا، مباشرًا، وحاسمًا. قالها بلا مواربة: «الاتحاد فوق الجميع». عبارة قد يرددها كثيرون، لكنها هذه المرة لم تكن شعارًا يُرفع، بل سياسة تُنفَّذ. – حين يتحدث الرئيس عن الانضباط وحفظ حقوق الاتحاد فهو لا يلوّح بعصا التهديد، بل يرسم حدوداً لكيانٍ أنهكه غياب الانطباعية، والمجاملات. الاتحاد ليس سوراً واطئاً، كما أكد، ولن يكون ساحةً مفتوحة لابتزاز لاعب أو ضغط نادٍ أو مزايدة إعلامي إنما اتخذ عبر الإدارة القانونية لحفظ حقوقه تجاه نادٍ فاوض لاعبي النادي بطريقة غير نظامية.. الرسالة كانت قاطعة: من يظن أن اسم النادي يمكن أن يُستخدم كورقة تفاوض شخصية فقد أخطأ العنوان.- ولأن القرارات الكبيرة لا تُتخذ بالعاطفة، جاء الحديث مدعوماً بالأرقام. حضور المدير الرياضي رامون بلانيس لم يكن شكلياً، بل تأكيد أن ما يُبنى داخل أروقة النادي يقوم على دراسات وإحصاءات، حتى في ملف شائك كملف الحكام. القرار بعدم المطالبة بالأجنبي لم يكن عناداً، بل قراءة فنية مدعومة بمعلومات دقيقة بإحصاءاتٍ وأرقامٍ موثّقة. وأوضح أن الدراسات الإحصائية للموسم الحالي والماضي أظهرت تميز الحكم المحلي في مباريات الفريق مقارنةً بالأجنبي، مؤكداً أن مصلحة الاتحاد أولاً، مع دعم تطوير الحكم السعودي.- أما على المستوى الفني، فقد بدا واضحاً أن المدرب سيرجو كينسياسيو يعمل في بيئة لا تقبل التراخي. زيادة الجرعة التدريبية، وتشديد الانضباط، وإغلاق الباب أمام أي تهاون.. كلها مؤشرات على أن المرحلة القادمة لن تحتمل الأعذار.- الحديث عن إستراتيجية تمتد لخمس سنوات لم يكن ترفاً إدارياً، بل إعلان نية. رئيس يعمل بعقل المؤسسة لا بعقل الموسم الواحد، ويؤسس لاستدامة مالية واستثمارية أشاد بها وزير الرياضة الأمير المحبوب عبدالعزيز بن تركي الفيصل، وهنا الفارق بين من يدير يومه… ومن يصنع غده.- الأهم من كل ذلك أن اللقاء كسر الحاجز التقليدي بين الإدارة والإعلام. لم «يهرب» الرئيس من الأسئلة، ولم يختبئ خلف بيان مكتوب، أو شاشة صحفي يبحث عن الإثارة، واجه، ناقش، وبرّر. رحّب بالنقد البنّاء، وأغلق الباب أمام الباحثين عن «الترند». في زمنٍ أصبحت فيه «الإثارة أسهل» من الحقيقة، كان الرهان على المكاشفة خطوة جريئة، كما أبدى رغبته في التواصل المباشر مع الجماهير بين حينٍ وآخر، باعتبارهم كنز النادي الأول، والرد على كل استفساراتهم. واختتم ببشرى سارة لجماهير الاتحاد، بإعادة إطلاق منتجات النادي الاستثمارية الشهر المقبل بحلّةٍ أكثر تطوراً.- الاتحاد اليوم يقف عند مفترق طرق: إما أن يستعيد هيبته بثقافة النظام والعمل المؤسسي، أو يعود إلى دوامة ردود الفعل. ما قيل في تلك الليلة يوحي بأن الإدارة اختارت الطريق الأصعب… لكنه الطريق الصحيح.- قد يختلف البعض مع الأسلوب، وقد يتحفظ آخرون على بعض القرارات، لكن ما لا يمكن إنكاره أن هناك قيادة قررت أن تضع خطاً واضحاً: الاتحاد أولاً… وأخيراً. ومن لا يحتمل صرامة المشروع، فليبحث له عن ظلٍّ آخر غير شموخ وهيبة الاتحاد.


