في الشعر لم يكن الأمر أن تُمنح الأشياءُ صفاتٍ بشرية، فهذا بابٌ بلاغيّ قديم، استنفدت الاستعارة والتشخيص كثيراً من احتمالاته. الأمر الأعمق أن ينجح النص في انتزاع الشيء من وظيفته الأولى، ثم يعيده إلى العالم محمّلاً بوظيفة أخرى، مثلاً، أن يكفَّ البحر عن كونه ماءً، والمشنقة عن كونها أداةً، والغيمة عن كونها ظاهرةً في السماء، والبلاد عن كونها جغرافيا. عندئذ لا يصبح المجاز وسيلةً لإعادة تكوين الأشياء. من هذه الزاوية سأقترب من تجربة مهدي بن حسين السنونة في كتابه «لستُ كفناً.. أنا غيمة»، سأبحث كيف أن غرابة الصورة تبّدل هوية الأشياء في مختبره الشعري. وهذا المدخل سيكون من داخل النص، فالشاعر في الصفحات الأولى من الكتاب، وضع ما يشبه البيان الشعري الصغير حين يرى أن الشعر هو «أن تستنطق الجامد من الأشياء»، ثم يربطه بالتفاصيل اليومية وبقدرة النص على دفع خيال القارئ إلى ما يتجاوز فكرة الشاعر نفسها.وهذه العبارة سأجعلها مفتاحاً ومحكّاً للقراءة، ولن أعتبرها شهادةً مسبقةً على نجاح تجربته، يجب أن تكون سؤالاً نعود به إلى النصوص: هل نجح فعلاً أن يستنطق الأشياء، أم اكتفى بإسناد أفعال بشرية إليها؟وهل أدّى الانزياح إلى اكتشاف علاقة جديدة بالعالم، أم تحوّلت كثافة المجاز في بعض المواضع إلى حجاب بين القارئ والدلالة؟من أوضح الأشياء التي تغادر وظيفتها الطبيعية في الكتاب البحر. فالشاعر سحبه سريعاً إلى المجال النفسي والإنساني. فيسأل:«هل أرغموه على التنهد؟»ثم يصل إلى تركيب أكثر دلالة:«البحرُ منسوبٌ لخيبةِ قاطنيه»ويذهب أبعد حين يجعل الغريق يترك لدى البحر «أمانة».في الصورة الأولى التشخيص كان بصورة مباشرة: البحر يتنهد. وهي صورة، منفردةً، لكن لا يكفي ومن خلالها أن أرجّح بخصوصية شعرية كبيرة، فالطبيعة المتألمة أو المشاركة للإنسان عريقة في الشعر.أما التحوّل الأهم فيقع في العبارة الثانية: «البحر منسوب لخيبة قاطنيه». هنا تنقلب العلاقة المألوفة بين المكان وساكنيه، فبدل أن يُنسب القاطنون إلى البحر، يصبح البحر نفسه منسوباً إلى خيبتهم.فالتجربة الإنسانية هي التي تحتوي المكان وتعيد تعريفه.ويستمر هذا التحوّل حين يصبح البحر جزءاً من معجم المنفى والنزوح والملح والغرق. ففي موضع آخر تتجه الحركة نحو الماء بوصفه إمكانيةً لمحو آثار الجسد، إذ يُطلب من العائد أن يقفز في الماء ليغسل «الندب الموزعة» في جسده، ويعود «صفحة بيضاء».فالماء يدخل في محاولة مستحيلة تقريباً لاستعادة الجسد السابق ولم يكن للتطهر.والبحر لا يصف الحزن، إنه يتورط فيه. الكفن والغيمة عنوان الكتاب: «لستُ كفناً.. أنا غيمة» جملة شعرية جذابة، يختصر فيها الآلية التي تتحرك بها الأشياء في النص كله:شيءٌ يرفض وظيفته الأولى ليُعاد إنتاجه في وظيفة أخرى.واللافت أن العلاقة بين الكفن والغيمة ليست تضاداً بسيطاً بين الموت والحياة. فالصورتان تلتقيان، فكلاهما غطاء، وكلاهما يحجب ما وراءه، لكن التشابه ينتهي عند الوظيفة: الكفن يغطي ما انتهى، أما الغيمة فتغطي وهي في طريقها إلى التحوّل، الكفن يلفّ الجسد، أما الغيمة لا تكاد تستقر على هيئة حتى تغادرها.وهذا الفارق بين الثبات والتحوّل، يجعل النفي في «لستُ كفناً» مهماً. فالمتكلم يرفض الصورة التي تريد أن تثبته في هيئة نهائية، ثم يختار لنفسه أكثر الصور استعصاءً على الثبات، الغيمة.وهذا التأويل لا يستند إلى العنوان وحده، فالغيمة تعود داخل الكتاب محمّلة بوظائف تتجاوز معناها الطبيعي. يقول الشاعر:«بماذا تحبلُ الغيمات؟»ثم يتابع:«إنَّ للغيماتِ جسماً في فمي»قبل أن يبلغ الصورة الأكثر غرابة:«أأنفثُ غيمةً ثم أخلق؟»ثلاثة تحوّلات تقع في مساحة قصيرة: الغيمة تحبل، ثم يصبح لها جسد، ثم تخرج من الفم مقرونة بفعل الخلق.فالغيمة انتقلت من الطبيعة إلى الجسد، ومن الجسد إلى اللغة.الفم موضع الكلام، ووجود «جسم الغيمة» يسمح أن أقرأ الغيمة كأنها احتمال للقول والخلق، ويؤكد النص هذا المسار حين يقول:«نفخوا بصدري من الغيوم تعانقاً فولدت».وهذا المعجم الكامل للولادة: الحبل، الجسد، النفخ، التعانق، الولادة، الخلق. وأمام هذا التواتر يصعب اعتبار الغيمة صورة عابرة.لتدخل في بنية توليدية تجعلها نقيضاً وظيفياً للكفن:الكفن يلي الموت، أما الغيمة فتدخل في سلسلة تنتهي بالولادة.



