يأتي يوم التأسيس ليقف السعوديون أمام صفحةٍ مشرقةٍ من تاريخهم، يستحضرون فيها البدايات الأولى لدولةٍ كُتب لها أن تكون راسخة الأركان، ممتدة الأثر، متجددة العطاء.ففي هذا اليوم نستعيد لحظة التكوين الأولى، حين أرسى الإمام محمد بن سعود عام 1727 في الدرعية، دعائم الدولة السعودية الأولى، لتبدأ مسيرة وطنٍ تأسس على العقيدة الصافية، ووحدة الصف، وتحقيق الأمن والاستقرار في ربوع الجزيرة العربية.لقد كان ذلك التأسيس تحوّلاً تاريخياً فارقاً؛ إذ انتقل الناس من التفرق إلى الاجتماع، ومن القلق إلى الطمأنينة، في ظل قيادةٍ جعلت من كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- منهجاً للحكم وأساساً للعدل.ورغم ما واجهته الدولة من تحدياتٍ جسام، فإن جذورها بقيت حيّة في وجدان أبنائها، حتى أعاد الإمام تركي بن عبدالله بناء الدولة السعودية الثانية عام 1824، مؤكّداً أن هذا الكيان ليس طارئاً في التاريخ، بل هو امتدادٌ لإرادةٍ راسخة وعقيدةٍ ثابتة.ثم أشرقت مرحلة التوحيد الكبرى على يد الملك المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، الذي استعاد الرياض عام 1902، وأطلق مشروعاً وطنياً عظيماً انتهى بإعلان قيام المملكة العربية السعودية عام 1932.ومنذ ذلك الحين، تتابعت عهود البناء والنماء، حتى غدت المملكة اليوم دولةً ذات حضورٍ مؤثر، ومكانة مرموقة، وريادة شاملة في مختلف الميادين. ويحمل يوم التأسيس في معانيه أبعاداً رمزية سامية؛ فهو احتفاءٌ بعمق تاريخي يتجاوز ثلاثة قرون، وتجديدٌ لعهد الانتماء والولاء، وتأكيدٌ على أن حاضر المملكة المشرق إنما هو ثمرة تضحياتٍ عظيمة، وعملٍ دؤوب، وإيمان راسخ بقيمة الوطن ووحدته.كما يجسد هذا اليوم اعتزاز السعوديين بهويتهم الثقافية وتراثهم الأصيل، الذي يشكل جزءاً لا يتجزأ من مسيرة الدولة عبر العصور.وقد صدر الأمر الملكي باعتماد يوم التأسيس مناسبة وطنية في عام 2022، بقرار من الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود؛ تأكيداً على أهمية استحضار الجذور التاريخية للدولة السعودية وتعزيز حضورها في الوعي الوطني، ويتكامل ذلك مع الرؤية الطموحة التي يقودها خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود نحو مستقبلٍ أكثر ازدهاراً وتأثيراً على المستويين الإقليمي والدولي.ويظل الفرق واضحاً بين يوم التأسيس واليوم الوطني؛ فالأول يرمز إلى النشأة الأولى وبداية المسيرة عام 1727، بينما يحتفي الثاني بتوحيد البلاد وإعلان المملكة عام 1932، وكلاهما شاهدان على قصة وطنٍ صاغ مجده بالإيمان والعزيمة والعمل.وفي الختام، يبقى يوم التأسيس مناسبةً ساميةً نستذكر فيها عطاء القادة، ونستحضر فيها تضحيات الرجال الذين صنعوا التاريخ، ونجدد فيها العهد بأن تبقى هذه البلاد رايةً للعز، وموطناً للأمن، ومنارةً للتقدم والريادة.

