في كرة القدم، المنتخبات لا تُهزم دائماً بسبب الفارق الفني. كثيراً ما تُهزم بسبب نقطة واحدة هشّة تُفسد كل شيء حولها. وفي مباراة الأردن والنمسا، كانت تلك النقطة واضحة وموجعة: حارس المرمى.
دعونا نتفق على قاعدة لا تتغير: حين يلعب منتخب أمام من هو أقوى منه (فنياً)، فإن أول ما يحتاجه ليس الخطة ولا النجم المهاجم، بل حارس يمنحه الثقة. حارس يقول للاعبين أمامه: العبوا وانطلقوا، وأنا هنا خلفكم. هذا الشعور وحده يرفع منتخباً بأكمله فوق مستواه المعتاد.
المفاجآت الكبرى صنعها حرّاس
ارجعوا لكل مباريات كأس العالم حتى الأن، والنتائج التي صنعها منتخب «أصغر» أمام عملاق، وستجدون حارساً واقفاً في الصورة. حارس السعودية أمام الأوروغواي، حارس الرأس الأخضر أمام إسبانيا، حارس قطر أمام سويسرا؛ أسماء مختلفة وحكاية واحدة: حارس حوّل الدفاع إلى جدار، وأعطى زملاءه ترف التفكير بالهجوم بدل الخوف من الخلف. الحارس الواثق لا يحمي مرماه فحسب، بل يحمي أعصاب الفريق كله.
عندنا.. حدث العكس تماماً
ما رأيناه من يزيد أبو ليلى أمام النمسا كان الوجه المعاكس لهذه الصورة تماماً. لم يكن خطأً عابراً يُغتفر، بل سلسلة أخطاء جعلته نقطة الضعف الأولى في الفريق، وصاحب أدنى تقييم بين كل اللاعبين على أرض الملعب:


- الهدف الأول: تمركز خاطئ وكرة لم يحاول التصدي لها أصلاً، فاهتزت الشباك مبكراً رغم أن بإمكانه فعل ما هو أفضل بكثير.
- تشتيت سيء: كرة أخرجها بطريقة خطرة كادت تتحول إلى هدف، ولم ينقذه سوى قرار الحكم بإلغائه بداعي لمسة يد.
- الهدف الثاني:وقف يراقب الكرة بعينيه وهي تتسلل إلى مرماه دون محاولة جدية للتصدي، في مشهد لا يليق بحارس منتخب.
- خطأ ساذج: تمريرة عكسية بسيطة من زميله عجز عن التعامل معها، فتحوّلت إلى ركلة ركنية.
- ركلة الجزاء الأخيرة: اللحظة التي كان يُفترض أن يردّ بها بعض الاعتبار، لكنه عجز عن التصدي لها كالعادة.
أضف إلى ذلك محاولة تصنّع إصابة لم تُقنع أحداً، تكراراً لما رأيناه في كأس العرب. هذه ليست لحظة سوء حظ واحدة، بل نمط متكرر جعل الحارس لم يمنح فريقه ذرة ثقة واحدة، بل أضاف على أكتافهم حملاً ثقيلاً: أن تلعب وأنت تخشى خطأ الرجل الأخير أكثر مما تخشى هجوم الخصم.
وهنا موضع الوجع الحقيقي. النشامى لم يقصّروا؛ قدّموا روحاً ومجهوداً وقتالاً يستحق احتراماً، وبدا في دقائق أنهم قادرون على مفاجأة منتخب بحجم النمسا. لكن ما فائدة المجهود في الأمام إذا كان يتبخّر في الخلف؟ ما قيمة أن تركض تسعين دقيقة ثم يأتي رجل واحد ليعيد كل شيء إلى الصفر؟ هذا بالضبط ما حدث: مجهود فريق كامل ذهب هدراً.
الأساس هو الحارس
لا أكتب هذا للتجريح، بل لأن الحقيقة تستحق أن تُقال بوضوح: منتخب بطموح الأردن لا يمكن أن يبني أحلامه على حارس يتحوّل في اللحظات الحاسمة إلى عبء. الحديث عن التطوير والطموح والاستحقاقات القادمة جميل، لكنه يبقى ناقصاً ما لم نجب عن السؤال الأول: هل نملك حارساً يمنحنا الثقة؟
الإجابة، بعد مباراة النمسا، تبدو مؤلمة. والأساس، ببساطة، هو الحارس. فإمّا أن نحلّ هذه العقدة، وإمّا أن نستمر في إهدار مجهود لاعبين يستحقون أفضل ممّا حدث.



