نيقوسيا – في خضم التصعيد الإقليمي المتسارع والملفات الدولية المزدحمة، وجه الأردن بوصلة المجتمع الدولي مجدداً نحو القضية المركزية؛ حيث حمل سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، رسالة أردنية صارمة للقادة الأوروبيين مفادها أن توترات المنطقة المستجدة، مهما بلغت حدتها، يجب ألا تشكل غطاءً أو تصرف أنظار العالم عن المأساة الإنسانية والسياسية المستمرة في فلسطين.
وجاء هذا الموقف الأردني الحازم خلال مشاركة سموه، مندوباً عن جلالة الملك عبدالله الثاني، في الاجتماع غير الرسمي للاتحاد الأوروبي والشركاء الإقليميين، والذي استضافته العاصمة القبرصية نيقوسيا بمشاركة قادة دول أوروبية وصناع قرار، إلى جانب لقاء ثنائي بالغ الأهمية جمعه بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
لاءات أردنية في وجه التجاوزات الإسرائيلية
وضع سمو ولي العهد النقاط على الحروف أمام الشركاء الأوروبيين، محذراً بلغة واضحة من التداعيات الكارثية للسياسات الإسرائيلية على الأرض. وتصدرت الأجندة الأردنية في نيقوسيا عدة ثوابت لا تقبل المساومة:
رفض الضم والتضييق: حذر سموه من أن خطط ضم الأراضي في الضفة الغربية تمثل تهديداً وجودياً يقضي على أي آفاق مستقبلية للسلام، مشيراً إلى الخطورة البالغة لاستمرار سياسة “التضييق الاقتصادي” الممنهج ضد الشعب الفلسطيني.
القدس والمقدسات: في ظل محاولات تغيير الواقع، شدد الأمير الحسين على ضرورة وقف الاعتداءات على الوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات الإسلامية والمسيحية بالقدس، وهي رسالة أعاد تأكيدها بقوة خلال لقائه بالرئيس الفرنسي ماكرون، مطالباً بتكثيف الجهود الدولية لوقف هذه الإجراءات.
كارثة غزة الإنسانية: نبه سموه إلى أن المساعدات الإنسانية ما زالت لا تصل إلى قطاع غزة بالشكل المطلوب، مشدداً على ضرورة ضمان الالتزام بتطبيق الخطة الأمريكية لإنهاء الحرب في القطاع بشكل فوري وتثبيت وقف إطلاق النار لتجنب انزلاق المنطقة نحو تصعيد أخطر.
استقرار المنطقة.. رؤية أردنية شاملة
لم يقتصر الحراك الدبلوماسي الأردني في قبرص على الملف الفلسطيني، بل امتد ليشمل رؤية شاملة للأمن القومي العربي والإقليمي. وأكد سموه أن أي اتفاق للتهدئة الشاملة يجب أن يعالج الجذور العميقة للتوترات، ويضمن تحقيق الأمن في الدول العربية، وعلى رأسها دول الخليج العربي التي يمثل أمنها ركيزة أساسية للاستقرار العالمي.
وفي السياق الإقليمي، جدد الأردن موقفه الداعم لسيادة لبنان ووحدة أراضيه، مع التأكيد على استمرار تقديم الدعم للجيش اللبناني لتمكينه من الحفاظ على أمن البلاد واستقرارها. كما كشف سموه عن حراك فاعل وجهود أردنية-سورية مشتركة لبناء “مستقبل من التعاون”، داعياً الاتحاد الأوروبي لمساندة هذه الجهود الإقليمية.
شراكة استراتيجية بآفاق اقتصادية
وعلى الصعيد الثنائي والاستراتيجي، استثمر الأردن هذه المنصة لتعزيز عمقه الاقتصادي مع القارة العجوز. حيث عبر ولي العهد عن تطلع المملكة لاستضافة “مؤتمر الاستثمار الأردني الأوروبي” خلال العام الحالي، في خطوة تعكس الثقة الأوروبية بالاقتصاد الأردني كبيئة آمنة ومستقرة وسط إقليم مضطرب. وهو ما تُرجم أيضاً في المباحثات مع الرئيس الفرنسي، والتي ركزت على متانة علاقات الصداقة وضرورة البناء عليها اقتصادياً واستثمارياً.
وبهذا الحضور الدبلوماسي المكثف، يثبت الأردن مجدداً أنه يمتلك رؤية واضحة لا تحيد عن ثوابتها، قادراً على فرض قضاياه العادلة على أجندة صناع القرار في العالم، ومؤكداً أن الطريق إلى استقرار الشرق الأوسط والعالم يمر حتماً عبر إنهاء المعاناة الفلسطينية وتحقيق السلام العادل.



