اخبار السلط

مدرسة السلط الثانوية | دور “أم المدارس” في الحركة الوطنية والسياسية

مدرسة السلط الثانوية | دور "أم المدارس" في الحركة الوطنية والسياسية
مدرسة السلط الثانوية | دور "أم المدارس" في الحركة الوطنية والسياسية

على تلة “الجادور” المطلة على مدينة السلط، لا يقف مبنى مدرسة السلط الثانوية العريق كأثر معماري أو صرح تعليمي تقليدي فحسب، بل يرتفع كشاهد حيّ على ولادة الدولة الأردنية الحديثة وتشكّل وعيها السياسي والقومي. “أم المدارس“، كما يحلو للأردنيين تسميتها، لم تكن يوماً مجرد غرف صفية لتعليم القراءة والكتابة، بل كانت البرلمان الأول، والساحة التي صدحت فيها حناجر الرعيل الأول، والمصنع الذي خرّج قادة سياسيين ورؤساء حكومات رسموا ملامح تاريخ الأردن.

مدرسة السلط الثانوية | دور "أم المدارس" في الحركة الوطنية والسياسية

صورة محسنّة بالذكاء الإصطناعهي لمدرسة السلط الثانوية عام 1923
صورة محسنّة بالذكاء الإصطناعهي لمدرسة السلط الثانوية عام 1923

البدايات.. حين بُنيت المدرسة بتبرعات الأهالي

تعود جذور المدرسة إلى عام 1918 حيث بدأت في مبنى مستأجر، لكن الانطلاقة الحقيقية لتصبح صرحاً وطنياً ورمزاً سيادياً كانت عندما تفضّل الملك المؤسس عبد الله الأول (الأمير آنذاك) بوضع حجر الأساس للمبنى الحالي في 12 أيار/مايو 1923.

ما يجسد الحس الوطني المبكر لدى الأردنيين هو أن بناء هذا الصرح تم بتكاتف مجتمعي لافت، حيث جُمعت التبرعات من المواطنين والأثرياء في الإمارة الفتية. وفي العام الدراسي (1925-1926)، زفّت المدرسة أول فوج من خريجيها (وعددهم أربعة طلاب فقط: أحمد الظاهر، داود تفاحة، عبد الرحيم الواكد، وعلي مسمار)، لتبدأ مسيرتها كمدرسة ثانوية كاملة ووحيدة في الإمارة لفترة طويلة.

الحاضنة السياسية وبوتقة الانصهار الوطني

نظراً لكونها المدرسة الثانوية الوحيدة في شرق الأردن آنذاك، استقطبت مدرسة السلط النخب الشابة من كافة أنحاء الأردن، من شماله إلى جنوبه. هذا التجمع المناطقي حوّل المدرسة إلى “بوتقة انصهار” وطنية حقيقية، أذابت الفوارق وجمعت أبناء العشائر والمدن تحت سقف فكري واحد.

لم يقتصر التأثير على الطلاب، بل لعب المعلمون دوراً محورياً؛ إذ استقطبت المدرسة في بداياتها معلمين ومفكرين ورواد إشعاع ثقافي من سوريا وفلسطين ولبنان، والذين جلبوا معهم أفكار التحرر من الاستعمار وحركات القومية العربية. بين جدران المدرسة، تشكلت أولى الخلايا السياسية، ونُظمت الجمعيات الشبابية التي طالبت بالاستقلال وناقشت هموم الأمة، مثل “جمعية الحرية” التي أسسها الطلاب سراً آنذاك.

مدرسة السلط الثانوية
مدرسة السلط الثانوية

ساحات المدرسة.. نقطة انطلاق الحراك والمظاهرات التاريخية

لم يكن طلاب السلط يوماً بمعزل عن قضايا الأمة، بل كانوا في قلب الحدث وبوصلة للشارع الأردني. لقد سجل التاريخ الأردني أن ساحات مدرسة السلط الثانوية كانت نقطة الانطلاق للعديد من المظاهرات والاحتجاجات الوطنية التي غيرت مسار الأحداث.

  • القضية الفلسطينية: من تلك الساحات، خرج الطلاب تنديداً بوعد بلفور، واحتجاجاً على السياسات الاستعمارية البريطانية في فلسطين إبان الثورة العربية الكبرى عام 1936، حيث شارك الطلاب في الإضرابات وجمع التبرعات لدعم الثوار.
  • المد القومي والتحرر: في الأربعينيات والخمسينيات، كانت المدرسة محركاً رئيسياً في المظاهرات الداعمة لتعريب قيادة الجيش العربي (1956)، ورفض الأحلاف العسكرية الأجنبية. لقد كانت المدرسة بمثابة “الترمومتر” الذي يقيس نبض الشارع الأردني وتفاعله مع المد القومي.
خريجو مدرسة السلط الثانوية لعام 1939-1940
خريجو مدرسة السلط الثانوية لعام 1939-1940

 

خريجو مدرسة السلط الثانوية لعام 1939-1940 (بعد تحسين وتطوير الصورة بالذكاء الإصطناعي)
خريجو مدرسة السلط الثانوية لعام 1939-1940 (بعد تحسين وتطوير الصورة بالذكاء الإصطناعي)

مصنع الرؤساء وقادة الدولة

لعل الإنجاز الأبرز سياسياً وتاريخياً لمدرسة السلط الثانوية هو قائمة خريجيها التي تُقرأ وكأنها فهرس لتاريخ الحكومات الأردنية. لقد تخرج من على مقاعدها الخشبية العتيقة 19 رئيس وزراء أردني، تولوا دفة القيادة في أصعب المفاصل التاريخية وأدقها.

من أبرز هؤلاء القادة الشهيدان وصفي التل وهزاع المجالي، بالإضافة إلى شخصيات سياسية وازنة تركت بصمة لا تمحى مثل: سليمان النابلسي (الذي قاد أول حكومة حزبية برلمانية في تاريخ الأردن)، بهجت التلهوني، أحمد اللوزي، وعبد السلام المجالي. هؤلاء القادة، ورغم اختلافاتهم الفكرية أو الحزبية في بعض الأحيان، جمعهم قاسم مشترك واحد: وعيهم السياسي الأول تفتح وتشكل بين جدران الحجر الأصفر في السلط.

إرث يستمر في نبض الشارع

اليوم، تظل مدرسة السلط الثانوية التي توجها جلالة الملك الحسين بن طلال -رحمه الله- بـ “وسام الاستقلال من الدرجة الأولى” عام 1976، رمزاً وطنياً يتجاوز مفهوم التعليم التقليدي. هي ليست مجرد متحف للذكريات السياسية، بل رسالة حية تُذكّر الأجيال المتعاقبة بأن التعليم الحر وبناء الوعي هما الركيزتان الأساسيتان في بناء الأوطان، وأن مدينة السلط ستبقى دائماً الحاضنة التي أهدت الأردن أبجديته السياسية الأولى.