في الحياة السياسية الأردنية أسماء كثيرة دخلت البرلمان، وأسماء عبرت الوزارة، وأسماء عادت بعد المنصب إلى صمتها الأول. لكن المحامي محمود عواد الخرابشة لا يشبه هذا المسار الهادئ. هو من ذلك النوع الذي لا يُقرأ من سيرته الرسمية فقط، ولا يكفي أن تضع أمام اسمه عبارة “وزير سابق” أو “نائب سابق” حتى تنتهي الحكاية.
الرجل أوسع من اللقب، وأكثر إرباكاً من السيرة الجاهزة. جاء من خلفية أمنية، ومرّ في ممرات الدولة الصلبة، ثم دخل القانون من بابه الأكاديمي والمهني، وجلس تحت قبة البرلمان سنوات طويلة، قبل أن يصل إلى مقعد الوزارة. وبعد ذلك كله، لم يغادر المشهد كما يغادره كثيرون: بصمت محسوب وذاكرة باردة.
سيرة تبدأ من الدولة ولا تنتهي عندها
ولد المحامي محمود عواد الخرابشة في بيئة سياسية واجتماعية تعرف جيداً معنى الوجاهة، ومعنى الحضور العام، ومعنى أن يكون للرجل موقف يُحسب عليه أو له. درس القانون حتى حمل درجة الدكتوراه، وامتلك إلى جانبها خبرة إدارية، ثم بدأ مساراً مهنياً جمع بين المؤسسة الأمنية والمحاماة والعمل النيابي.
هذه التركيبة وحدها تصنع شخصية مختلفة: ضابط سابق يعرف لغة الدولة من الداخل، ومحامٍ يعرف كيف تُبنى الحجة، ونائب خبر القاعة والتشريع والجدل، ووزير جلس في موقع القرار الحكومي حين كان البلد يمرّ بمرحلة سياسية وقانونية حساسة.
عندما عُيّن وزير دولة في حكومة بشر الخصاونة عام 2020، ثم أصبح وزير دولة للشؤون القانونية في 2021، لم يكن ذلك انتقالاً طارئاً في سيرته، بل امتداداً طبيعياً لرجل تشكلت صورته العامة حول القانون، والسلطة، والنص، والموقف.
الرجل الذي وجد بيته في اللجنة القانونية
في البرلمان، لا يظهر الخرابشة بوصفه نائب خدمات أو صاحب خطاب انتخابي عابر فقط. حضوره الأوضح كان في المساحات القانونية: اللجان، مشاريع القوانين، الجدل حول الصلاحيات، والاشتباك مع النصوص.
رئاسته للجنة القانونية في مجلس النواب لم تكن تفصيلاً إدارياً. هناك تحديداً ظهرت شخصيته كما يعرفها خصومه ومؤيدوه: رجل يتعامل مع القانون كمساحة سيادة، لا كصياغة لغوية باردة. بالنسبة له، النص ليس ورقة تمرّ تحت القبة، بل حدّ فاصل بين ما يجوز وما لا يجوز، بين ما تريده الدولة وما يستطيع المجتمع احتماله، وبين الإصلاح كما يتخيله الناشطون والإصلاح كما يراه رجال القانون المحافظون.
في ملف قانون الجوازات، وفي نقاشات الاستملاك، وفي قانون الانتخاب، وفي كل محطة تشريعية شبيهة، كان الخرابشة أقرب إلى السياسي القانوني الذي لا يكتفي بإبداء الرأي، بل يحاول أن يفرض منطقه على الطاولة.
وهنا تحديداً بدأت صورته تتكوّن: ليس نائباً رمادياً، وليس قانونياً منزوع الموقف، بل شخصية تدخل النقاش وهي مقتنعة أن التردد ضعف، وأن النص القانوني لا يُترك للانطباعات.
مواقف صنعت الجدل
لا يمكن كتابة سيرة المحامي محمود عواد الخرابشة دون المرور على مواقفه الخلافية، لأنها جزء من صورته العامة، وربما الجزء الأكثر حضوراً في ذاكرة الجمهور.
في قضايا مرتبطة بتشريعات تمس المرأة والأسرة والجرائم ذات الحساسية الاجتماعية، بدا الخرابشة صوتاً محافظاً صلباً. لم يكن يحاول إرضاء الموجة الشعبية الجديدة، ولم يكن يذهب بسهولة مع خطاب المنظمات الحقوقية. كان ينطلق من قناعة يرددها كثير من رجال القانون التقليديين: أن القانون لا يعيش خارج المجتمع، وأن تغيير النصوص لا يكفي وحده لتغيير البنية الاجتماعية.
لكن هذه القناعة نفسها جعلته هدفاً لانتقادات واسعة. فهناك من رأى في مواقفه دفاعاً عن بنية قانونية واجتماعية تحتاج إلى تغيير شجاع، وهناك من اعتبره ممثلاً لتيار يخشى القفز فوق الواقع الاجتماعي باسم الحداثة السريعة.
بين القراءتين، بقي الخرابشة في مكانه: لا يعتذر عن موقفه بسهولة، ولا يهرب من المعركة حين تصبح علنية.
لحظة التلفزيون التي تحولت إلى صورة ذهنية
في زمن السوشيال ميديا، لا يحتاج السياسي إلى عشرين عاماً حتى تتشكل صورته. أحياناً تكفي دقيقة واحدة أمام الكاميرا.
عام 2017، خلال ظهوره في برنامج “شباب توك” في نقاش عن التحرش وقضايا المرأة، دخل الخرابشة في مواجهة حادة انتهت بمغادرته البرنامج. تلك اللحظة لم تبقَ مجرد مقطع تلفزيوني. تحولت إلى رمز رقمي يتداوله الناس كلما ذُكر اسمه.
بالنسبة لمنتقديه، كانت اللحظة دليلاً على حدّة في التعامل مع الرأي الآخر. وبالنسبة لمؤيديه، كانت دليلاً على رجل يرفض ما يعتبره إساءة أو تجاوزاً بحق البلد والمجتمع. وبين الصورتين، ثبتت شخصية الخرابشة في الذاكرة العامة: رجل لا يبتلع غضبه بسهولة، ولا يحرص دائماً على أن يبدو دبلوماسياً.
قد يختلف الناس في تقييم تلك اللحظة، لكنها كشفت شيئاً أساسياً: الخرابشة ليس سياسياً مصنوعاً من لغة العلاقات العامة. هو ابن مدرسة ترى أن الموقف الصلب، حتى لو كلّف صاحبه، أفضل من ابتسامة لا تقول شيئاً.
حين وقف مع التاكسي الأصفر ضد الاقتصاد الجديد
في عام 2018، ظهر اسم المحامي محمود عواد الخرابشة في ملف بعيد ظاهرياً عن السياسة التقليدية: ملف سيارات الأجرة الصفراء في مواجهة تطبيقات النقل الذكية مثل أوبر وكريم.
هناك وقف الرجل في صف القطاع المرخص، مدافعاً عن مستثمرين وسائقين رأوا أن دخول التطبيقات ضرب قواعد المنافسة وهدد أرزاقهم. كان ذلك موقفاً قانونياً، لكنه كان أيضاً موقفاً اجتماعياً: الدفاع عن نموذج قديم منظم في مواجهة اقتصاد رقمي سريع لا ينتظر أحداً.
الجمهور انقسم كعادته. مستخدمون رأوا في التطبيقات خدمة أفضل وأكثر راحة، وأصحاب تاكسي رأوا فيها منافسة غير عادلة. أما الخرابشة فاختار موقعه بلا مواربة. وقف حيث يرى أن القانون يقف، لا حيث تميل الموجة الشعبية.
وهذه سمة تتكرر في مسيرته: لا يبحث دائماً عن التصفيق السهل، بل عن الموقع الذي يراه صحيحاً، حتى لو بدا خارج المزاج العام.
من الوزارة إلى البودكاست.. العودة بصوت الخبير
بعد خروجه من الحكومة، لم يتحول المحامي محمود عواد الخرابشة إلى أرشيف. ظل حاضراً في النقاش العام، عبر الإعلام، والمقابلات، والمنصات الرقمية، والظهور بوصفه وزيراً ونائباً سابقاً وخبيراً في القانون والدستور.
هذا الحضور مهم. فالكثير من رجال الدولة يختارون بعد الوزارة أن يخفّضوا أصواتهم، إما احتراماً لحساسية الموقع السابق، أو رغبة في البقاء قريبين من دوائر القرار دون إزعاج. الخرابشة اختار طريقاً آخر: أن يظل في الصورة، وأن يتكلم، وأن يعلّق، وأن يطرح نفسه بوصفه شاهداً من داخل التجربة لا مراقباً من خارجها.
في زمن البودكاست والمقابلات الطويلة، تبدو شخصيته مناسبة لهذا الشكل الجديد من الإعلام. فهو لا يعطي إجابات قصيرة دائماً، ولا يتحدث كمن يخشى أن يترك أثراً. لديه مخزون من التجربة، ولديه أيضاً تلك النبرة التي تجعل المستمع يشعر أنه أمام رجل يروي من موقعه لا من ورقة معدّة مسبقاً.
بين المؤيدين والمنتقدين
صورة محمود الخرابشة في الرأي العام ليست واحدة. وهذا بالضبط ما يجعلها مادة صحفية غنية.
مؤيدوه يرون فيه رجلاً صريحاً، واضحاً، صاحب تجربة طويلة، لا يبدل موقفه مع اتجاه الريح، ولا يساوم على ما يراه قناعة قانونية أو وطنية. بالنسبة لهم، هو من طينة السياسيين الذين يملكون لغة حادة أحياناً، لكنها نابعة من وضوح لا من استعراض.
أما منتقدوه فيرون فيه نموذجاً للسياسي المحافظ المتصلب، الذي يواجه بعض مطالب التغيير الاجتماعي بمنطق قديم، ويقرأ قضايا المرأة والحريات والإصلاح من زاوية قانونية تقليدية لا تكفي وحدها لفهم تحولات المجتمع.
وبين الفريقين، تقف الحقيقة الصحفية الأهم: الرجل لا يترك الناس محايدين. إما أن توافقه بقوة، أو تختلف معه بقوة. أما أن يمرّ اسمه دون أثر، فذلك ما لم يحدث.
شخصية صنعتها الصلابة
في المحامي محمود عواد الخرابشة خيط واضح يربط كل محطاته: الإيمان بأن الصمت ليس فضيلة دائماً.
من جهاز المخابرات إلى مهنة المحاماة، ومن مقعد النائب إلى رئاسة اللجنة القانونية، ومن الوزارة إلى الشاشات، بقي الرجل قريباً من فكرة واحدة: أن الدولة لا تُدار بالعاطفة وحدها، وأن القانون ليس مساحة تجريب مفتوحة، وأن المجتمع لا يُعاد تشكيله بقرار سريع أو ضغط إعلامي.
هذه الفكرة قد تبدو للبعض حكمة سياسية، وقد تبدو لآخرين عائقاً أمام الإصلاح. لكنها في الحالتين تشرح صاحبها.
الخرابشة ليس شخصية ناعمة. لا يحاول أن يكون كذلك. لغته أحياناً حادة، وحضوره مباشر، ومواقفه لا تُصمم لتناسب الجميع. وهذا ما يمنحه فرادته في مشهد سياسي اعتاد كثيراً من الوجوه التي تقول كل شيء دون أن تقول شيئاً.
رجل لا يُختصر في منصب
قد يقال إن محمود الخرابشة وزير سابق. وقد يقال إنه نائب سابق. وقد يقال إنه محامٍ مخضرم. كل ذلك صحيح، لكنه ناقص.
الأقرب إلى صورته أنه رجل دولة خرج من القالب الرسمي دون أن يغادر منطقه. بقي يفكر بعقل المؤسسة، ويتكلم بلسان القانون، ويتصرف أحياناً بحدة السياسي الذي لا يرى في التهدئة قيمة إن كانت على حساب قناعته.
لذلك، لا تُقرأ سيرته ببرود. لأنها ليست سيرة مناصب مرتبة في جدول، بل مسار رجل ظل في قلب الجدل: حين كان نائباً، وحين صار وزيراً، وحين غادر الوزارة، وحين عاد إلى الميكروفون.
في بلد يعرف جيداً قيمة العشيرة، والقانون، والدولة، والكرامة الشخصية، يبدو المحامي محمود عواد الخرابشة ابناً لكل هذه العناصر معاً. وربما لهذا تحديداً بقي حاضراً: لأنه لا يمثل قصة صعود سياسي فقط، بل يمثل سؤالاً أوسع عن معنى رجل الدولة في زمن تتغير فيه اللغة، والجمهور، وموازين النقاش.
هو ليس شخصية مريحة. وربما لهذا، تحديداً، يستحق أن يُكتب عنه.



