لم يكن مروان الحمود العربيات بحاجة إلى منصب كي يُعرَف، صحيح أن سيرته مرّت من البلدية إلى الوزارة، ومن مجلس النواب إلى مجلس الأعيان، ثم إلى موقع نائب رئيس الوزراء، لكن الذين عرفوه لم يتوقفوا عند الألقاب وحدها.
كانوا يذكرونه بطريقة أخرى.
هناك شخصيات تُقرأ من خلال السيرة الرسمية، وهناك شخصيات تحتاج أن تُقرأ من خلال أثرها في المكان، ومروان الحمود كان من النوع الثاني؛ رجلًا لا تكفي المناصب وحدها لشرحه، ولا تختصره الصفات مهما كانت كبيرة.
يذكرونه بصفته رجلًا من السلط، ووجهًا من وجوه البلقاء، واسمًا له مكانته بين الناس قبل أن تكون له مكانته في الدولة.
الاسم الذي صار جزءًا من المدينة
في السلط، للرجال ذاكرة مختلفة، فالمدينة لا تحفظ الأسماء لأنها مرّت في المناصب، بل لأنها تركت شيئًا في وجدانها، ومروان الحمود العربيات كان واحدًا من تلك الأسماء التي بقيت قريبة من الناس. لم يكن اسمه غريبًا عن المجالس، ولا عن الحديث العام، ولا عن الذاكرة المحلية التي تعطي الرجال قيمتهم بقدر ما يعطونها من حضور ووفاء، كان ابن عائلة ومكان وتجربة. وكان يحمل معه شيئًا من طبيعة السلط: الوقار دون تكلف، الحضور دون استعراض، والقرب من الناس دون ادعاء.
المسؤولية من الشارع لا من المكتب
أولى المحطات التي تكشف طبيعة الشيخ مروان الحمود العربيات كانت رئاسة بلدية السلط، فالبلدية ليست منصبًا بعيدًا عن الناس بل هي المكان الذي يرى فيه المسؤول الشارع كما هو، يسمع الشكوى بلا وسطاء، ويعرف أن المدينة ليست خرائط وموازنات فقط، بل بيوت ووجوه وحاجات يومية. من هناك بدأ مروان الحمود طريقًا طويلًا في العمل العام.
بدأ من مدينة يعرفها وتعرفه، ثم انتقل إلى الدولة وهو يحمل معه خبرة المكان الأول.
ولعل هذه البداية هي التي جعلت حضوره مختلفًا. فمن يعمل في البلدية، يتعلم أن السياسة ليست خطابًا كبيرًا فقط، بل خدمة صغيرة تصل إلى بيت، وقرار يمس شارعًا، وموقف يترك أثرًا في حياة الناس.
الأرض رافقته في كل المواقع
لم تكن الزراعة لدى الشيخ مروان الحمود العربيات مجرد تخصص قديم أو شهادة في بداية الطريق، بل بقيت حاضرة في سيرته الوزارية والبرلمانية. درس الزراعة، ثم حمل هذا الملف معه في مسيرته. تولى وزارة الزراعة، وارتبط اسمه أيضًا بملفات الشؤون البلدية والقروية والبيئة. وهذه ليست حقائب بعيدة عن بعضها؛ كلها تدور حول الإنسان في مكانه: الأرض، القرية، البلدية، الماء، والخدمة العامة.
كان يبدو كأن الدولة أعادته أكثر من مرة إلى الملفات التي تشبه بداياته. فالزراعة عنده لم تكن هامشًا، بل قضية تمس الناس، وتمس الأمن، وتمس هوية بلد يعرف أن الأرض ليست مجرد إنتاج، بل كرامة واستقرار.
سياسي من طراز هادئ
في زمن اعتاد الناس فيه على السياسي الصاخب، كان مروان الحمود من طراز آخر. لم تُبن صورته على الضجيج، بل على الامتداد. وزيرًا في أكثر من حكومة. نائبًا عن البلقاء. عضوًا طويل الحضور في مجلس الأعيان. ثم نائبًا لرئيس الوزراء بين عامي 1999 و2000.
هذه المحطات لا تقول فقط إن الرجل شغل مواقع رفيعة، بل تقول إن حضوره كان مستمرًا، وأن الدولة رأته في أكثر من مرحلة، وأكثر من ملف، وأكثر من دور.
ومع ذلك، بقيت صورته العامة أقرب إلى الرجل الرصين منها إلى السياسي الباحث عن الأضواء. كان حضوره يشبه ثقله الاجتماعي: واضحًا، لكنه غير مفتعل.
بين الدولة والمضافة
أجمل ما في سيرة الشيخ مروان الحمود العربيات أنها لا تنتمي إلى جهة واحدة. هو ليس رجل دولة فقط، وليس رجل مضافة فقط. كان يقف في المسافة التي تجمع الاثنين. يفهم لغة المؤسسات، ويفهم لغة الناس. يعرف معنى القرار الرسمي، ويعرف معنى الكلمة في مجلس الرجال. يحمل تجربة الوزارة، لكنه لا ينسى قيمة الجاهة، والمصالحة، والحديث الهادئ الذي يحفظ الوجوه والكرامات. ولهذا لم يكن غريبًا أن يصفه الناس بألقاب اجتماعية محببة مثل “شيخ السلط” و“شيخ البلقاء” و“أبو العبد”. هذه ألقاب لا تأتي من مكتب ولا من قرار. بل تأتي من شعور الناس بأن الرجل صار جزءًا من صورتهم عن المكان.
إعمار السلط… وفاءٌ على هيئة عمل
لم تكن علاقته بالسلط علاقة عاطفية فقط. فمن خلال مؤسسة إعمار السلط، ظهر جانب آخر من حضوره: الرجل الذي يريد للمدينة أن تبقى حية في عمرانها وذاكرتها وقيمها. فإعمار المدن لا يعني ترميم الحجر وحده. يعني حماية الروح أيضًا. والسلط مدينة لها روح خاصة؛ في بيوتها القديمة، وفي ذاكرة عائلاتها، وفي علاقتها المبكرة بتاريخ الأردن.
من هنا بدا دور مروان الحمود في إعمار السلط امتدادًا طبيعيًا لسيرته. فالرجل الذي بدأ من البلدية، عاد إلى المدينة من باب أوسع: باب الذاكرة، والهوية، والإصلاح الاجتماعي. كان يعرف أن المدينة لا تُبنى بالإسمنت فقط، بل بالتوازن بين الماضي والحاضر، وبين الناس ومكانهم، وبين العادات وما تحتاجه من مراجعة حتى تبقى القيم ولا تثقل الحياة.
لا تختصره المناصب
قد يقال عنه: رئيس بلدية سابق. وقد يقال: وزير سابق. وقد يقال: نائب، عين، نائب رئيس وزراء. وكل ذلك صحيح. لكن مروان الحمود لا يُقرأ بهذه العناوين وحدها. فالمناصب تشرح الطريق، لكنها لا تشرح الأثر. الأثر يظهر في الطريقة التي نُعي بها. بل في حضور اسمه بعد رحيله. في تسمية شارع في السلط باسمه. في إطلاق اسمه على مدرج في جامعة البلقاء التطبيقية. في بقاء صورته في الذاكرة العامة بوصفه رجلًا من رجالات المدينة والدولة معًا.
هذه العلامات تقول إن الرجل لم يغادر موقعه الرسمي فقط، بل ترك شيئًا وراءه. شيئًا جعل اسمه قابلًا لأن يُحفظ في المكان، لا في الملفات وحدها.
الرحيل الذي أعاد الاسم إلى الواجهة
حين رحل مروان الحمود العربيات في تموز 2022، لم يكن الرحيل خبرًا عابرًا. كان مناسبة لاستعادة سيرة طويلة، وفتح باب الذاكرة على رجل مرّ في أكثر من مرحلة من مراحل الدولة الأردنية. في الرثاء، لا يتحدث الناس عن الأرقام كثيرًا. يتحدثون عن المعنى. عن الهيبة. عن الطيبة. عن الحضور. عن الرجل الذي كان إذا ذُكر، ذُكرت معه السلط والبلقاء والعمل العام. وربما هنا تظهر قيمة الرجال بعد غيابهم. فمن كان حضوره شكليًا، يبهت سريعًا. أما من كان له أثر حقيقي، فإن الغياب يجعله أوضح.
ما الذي يبقى؟
يبقى من مروان الحمود العربيات أنه كان رجلًا عبر مؤسسات الدولة دون أن يفقد ملامح مدينته. ويبقى أنه حمل السلط معه إلى المسؤولية، وحمل المسؤولية معه إلى الناس. يبقى أنه لم يكن ابن منصب واحد، بل ابن مسار كامل. بدأ من البلدية، ومرّ بالوزارة، وحضر في البرلمان، واستقر طويلًا في مجلس الأعيان، وبلغ موقعًا رفيعًا في الدولة، ثم عاد اسمه بعد الرحيل إلى شوارع السلط وقاعات جامعاتها. ويبقى قبل ذلك كله أنه كان واحدًا من أولئك الرجال الذين لا تنتهي سيرتهم عند آخر منصب، ولا عند آخر خبر وفاة.
فالرجال الذين يشبهون مدنهم لا يغيبون بسهولة. والشيخ مروان الحمود العربيات كان يشبه السلط في شيء كثير: وقارها، ذاكرتها، حضورها الهادئ، وقدرتها على أن تبقى في القلب مهما تبدلت السنوات.
رحمه الله، رجلًا من رجالات الأردن، واسمًا من أسماء السلط التي بقيت حاضرة لا لأنها طلبت الخلود، بل لأنها صنعت أثرً


