في مدينة السلط، لا يحضر اسم اللواء المتقاعد سليمان غنيمات من باب السيرة التقليدية، بل من باب الحضور العميق الذي استقر في الذاكرة المحلية. “أبو خلدون“، كما تُعرف كنيته اجتماعياً، هو رجل بدأت حكايته من عمق المؤسسة العسكرية والأمنية، ليمر لاحقاً بقبة البرلمان، جامعاً في شخصيته ببراعة بين هيبة العسكر وانفتاح الممثل الشعبي القريب من لغة الناس ونبضهم.
بين الاستخبارات وبغداد.. سنوات المؤسسة العسكرية
رغم أن بعض تفاصيل بداياته المبكرة لم توثقها السجلات المدنية المفتوحة بشكل كامل، إلا أن الثابت والمؤكد هو مسيرته الطويلة في صفوف القوات المسلحة الأردنية، حيث يحمل رتبة لواء ركن متقاعد. تُنسب لغنيمات أدوار أمنية وعسكرية بالغة الحساسية، أبرزها تمثيله للأردن كملحق عسكري في العاصمة العراقية بغداد على فترتين مفصليتين خلال السبعينيات والتسعينيات. كما تتفق تقارير صحفية على توليه مواقع استخباراتية متقدمة، حيث وُصف بأنه مدير سابق للاستخبارات العسكرية، في دلالة واضحة على ثقل دوره في المؤسسة الأمنية.

اللواء المتقاعد سليمان غنيمات .. صوت البلقاء
في أواخر عام 2007، خلع غنيمات بزته العسكرية ليرتدي عباءة التمثيل الشعبي، محققاً فوزاً وازناً في انتخابات المجلس النيابي الخامس عشر عن الدائرة الأولى في محافظة البلقاء، بعد أن حصد 3319 صوتاً. تحت القبة، لم يكتفِ بأن يكون رقماً عابراً؛ بل انخرط في المطبخ التشريعي مستقراً في اللجنة الإدارية التي اختير مقرراً لها في بداية انعقاد المجلس. كان أداؤه البرلماني مزيجاً فريداً يعكس شخصية رجل الدولة؛ حيث زواج بين الهم الوطني والمطلب المحلي الملح. فمن جهة، استنكر بشدة الحصار المفروض على غزة، وشارك في مذكرات تطالب بمناقشة العلاقات مع إسرائيل، مبادراً بالتبرع براتب شهر لصالح الأشقاء في القطاع. ومن جهة أخرى، حمل هموم التنمية في السلط والبلقاء، مطالباً بمشاريع توفر فرص العمل، وداعياً لدعم المبادرات التعليمية كمدارس الملك عبدالله الثاني للتميز، وتنمية المرأة. ولم يتردد في النزول إلى الشارع عام 2008 ليقف داعماً لاعتصام النقابات المهنية للمطالبة برفع العلاوة المهنية لمنتسبيها.
دبلوماسية برلمانية عابرة للحدود
تجاوز تأثير غنيمات الشأن الداخلي ليحمل اسم الأردن إلى الساحتين الإقليمية والدولية، حيث برز كوجه دبلوماسي مؤثر حين تولى منصب نائب رئيس الجمعية البرلمانية للبحر الأبيض المتوسط (PAM)، ورئيس لجنتها الدائمة الثانية المعنية بالتعاون الاقتصادي والبيئي. في شباط 2010، اعتلى غنيمات منصة الأمم المتحدة متحدثاً في اجتماع أممي-برلماني في مالطا، مدافعاً عن قضية السلام الفلسطيني-الإسرائيلي. هناك، روج ببراعة لمفهوم “الدبلوماسية البرلمانية” كمسار مساند للدبلوماسية الحكومية، داعياً لعدم ترك الأمل يموت. وفي موقف عروبي لافت عام 2009، كان ضمن وفد برلماني أورومتوسطي قرر فيه النواب العرب مقاطعة زيارة إسرائيل تنديداً بسياساتها، واكتفوا بزيارة غزة والضفة الغربية والأردن ومصر. كما كانت له بصمات واضحة في إدارة ملفات المياه، والطاقة، والتغير المناخي ومستقبل المتوسط.
حكمة ما بعد البرلمان
رغم خروجه من المجلس بعد أن حصد 2678 صوتاً في انتخابات عام 2010 دون أن يحالفه الحظ، لم ينسحب غنيمات من المشهد العام. بل استمر صوتاً حكيماً يتدخل في المحطات الوطنية. ففي عام 2013، دافع بقوة عن مسار الإصلاح السياسي، مشيداً بالتعديلات الدستورية وإنشاء الهيئة المستقلة للانتخاب. وحين أطل الإرهاب برأسه عام 2014، عاد ليتحدث بخبرة الأمني محذراً من خطر تنظيم “داعش” والخلايا النائمة. وفي مدينته السلط، تجلت حكمته عام 2018 حين شارك في اجتماع أمني مع الوجهاء، داعياً لتشكيل خلية تواصل مع الحراكات الشعبية لاحتواء الموقف سلمياً بما يحفظ الثوابت الوطنية. سليمان غنيمات – وهو والد الوزيرة السابقة جمانة غنيمات – يمثل، باختصار، قصة من قصص جيل الدولة الأردنية الصلب. هو شخصية مركبة يصعب اختزالها في مقعد نيابي أو منصب عسكري، إذ تتوزع سيرته بين سجلات موثقة ومحاضر رسمية، وذاكرة شعبية عامة ما تزال تحفظ له مكانته كرجل خدم وطنه في الظل وتحت الأضواء.


