تحتفظ الذاكرة الشعبية بين الأردن وسوريا بقصص إنسانية عميقة تتجاوز الحدود الجغرافية، لتتجذر في تفاصيل الحياة اليومية والزراعية بين الشعبين. ومن بين هذه القصص، تبرز حكاية “عنب السلط” الذي يتدلى اليوم من عرائش مدينة “كسب” في شمال سوريا، حاملاً في جذوره تاريخاً يمتد لأكثر من قرن، وشاهداً حياً على رحلة لجوء ومحبة وحسن جوار.
بدأت القصة تطفو على السطح مجدداً إثر رسالة مؤثرة تداولتها منصات التواصل الاجتماعي، وصلت من المواطن السوري “رافي ماتوسيان“، أحد أبناء الجالية الأرمنية في مدينة كسب السورية. الرسالة لم تكن مجرد تحية عابرة، بل كانت استحضاراً لذاكرة عائلية وتاريخية توارثتها الأجيال.
طريق الآلام والملاذ الآمن
تعود الحكاية إلى عام 1915، إبان فترة التهجير القسري والمجازر التي تعرض لها الأرمن. حينها، سلكت بقايا القوافل المهجرة من مدينة كسب طريقاً شاقاً وطويلاً سيراً على الأقدام، مروراً بمدن سورية عديدة بدءاً من جسر الشغور، وحماة، وحمص، وصولاً إلى النبك ودير عطية، ثم العاصمة دمشق.
لكن الوجهة النهائية لتلك القوافل المنهكة كانت الأردن، حيث استقرت العائلات المهجرة في شمال ووسط المملكة، وتحديداً في إربد، والسلط، وعمّان.
سنتان من كرم الضيافة
بحسب شهادة ماتوسيان التي نقلها عن أجداده، مكث المهجرون الأرمن في الأردن قرابة السنتين. وخلال تلك الفترة القاسية من تاريخهم، وجدوا ملاذاً آمناً ومعاملة استثنائية من الشعب الأردني المضياف، الذي فتح أبوابه ومدنه لاستقبالهم والتخفيف من معاناتهم.
العودة بـ “عنب السلط”
مع حلول عام 1919، بدأت رحلة العودة العكسية للعائلات الأرمنية نحو ديارهم في كسب بشمال سوريا. ولم تكن رحلة العودة خالية الوفاض؛ فقد حمل العائدون معهم ذكرى حية من الأرض التي آوتهم. أخذوا معهم شتلات وقطوفاً من العنب الأردني، وقاموا بزراعتها في أراضيهم الجبلية بكسب.
انتشرت تلك الكروم في أرجاء المدينة السورية وأثمرت، وبقيت تحمل اسم “عنب السلط” حتى يومنا هذا، كعربون وفاء وذاكرة لا تمحى لمعنى الأخوة والكرم.
وتُختتم هذه الحكاية برسالة سلام ومحبة متبادلة، تؤكد أن الطرق بين الشعوب لا تُعبد إلا بالمحبة والسلام، وأن شجرة زرعت بصدق قبل أكثر من مئة عام، ما زالت تطرح ثمارها لتشهد على أصالة وعمق العلاقة التي تربط الشعبين الأردني والسوري.



