في السلط، إذا سألتَ كباراً عن “الباشا غالب الزعبي“، لن تحتاج توضيحاً. الاسم لوحده يكفي. عشيرة الزعبي معروفة، والرجل الذي حملها إلى مقاعد الوزارة معروف. لكن خلف اللقب والمنصب، توجد سيرة طويلة تبدأ من زمنٍ كانت فيه عمان أصغر، والأردن أبسط، والشرطة تُلاحق المخدرات بسيارات تتعطّل في الطرق.
من تلك البداية، إلى مكاتب وزارة الداخلية في 2017، خمسون سنة. وهذه ليست مدة عابرة. هذه نصف عمر دولة.

الباشا غالب الزعبي | إبن السلط
وُلد غالب سلامة صالح الزعبي في السلط سنة 1943. الأردن وقتها كان ما يزال إمارة، والملك عبدالله الأول على رأسها. السلط لم تكن العاصمة لكنها لم تكن بعيدة عن مركز القرار. عشيرة الزعبي امتدت من شمال الأردن إلى البلقاء، وفيها رجال في الجيش والشرطة والأرض.
أتمّ غالب الثانوية العامة من مدرسة السلط الثانوية سنة 1962. مدرسة لها تاريخ خاص في الذاكرة الأردنية، تخرّج منها سياسيون وضباط وقضاة. ثم سافر إلى دمشق ليدرس الحقوق. في سنة 1967 تخرّج بكالوريوس حقوق من جامعة دمشق. السنة نفسها التي وقعت فيها هزيمة حزيران. ذلك الجيل من الأردنيين الذين تخرّجوا من جامعات عربية في 1967 يحملون شيئاً مختلفاً عن غيرهم. كبروا وهم يرون العواصم العربية تتساقط، وبدأوا حياتهم العملية في ظلّ صدمة لم يتعافَ منها كثيرون.
عاد إلى الأردن، وأمامه طريقان: المحاماة، أو الأمن. اختار الأمن أولاً.
سبع وعشرون سنة في الأمن العام
من 1969 إلى 1996. هذه الأرقام تستحق التوقف عندها. سبع وعشرون سنة كاملة في جهاز الأمن العام. ليست مرحلة، هي عمرٌ كامل. حيث بدأ ضابطاً صغيراً، وتدرّج. مدير إدارة مكافحة المخدرات. ثم مدير شرطة محافظة العاصمة. ثم مساعد مدير الأمن العام برتبة لواء.
من يعرف الأمن الأردني يعرف أن إدارة مكافحة المخدرات في الثمانينات لم تكن وظيفة سهلة. الحدود مفتوحة على ثلاث دول مضطربة، والتهريب نشيط، والمعلومات شحيحة. الرجل الذي يقود هذا القسم في تلك المرحلة، إما يتلوّث، أو ينظّف. غالب يبدو أنه نظّف، لأنه تدرّج إلى ما هو أكبر.
ثم شرطة العاصمة. هذه إدارة لا تنام. كل مظاهرة، كل حادث، كل خلاف عشائري، كل قضية كبيرة تمرّ من تحت يد مدير شرطة العاصمة. والذي يصل إلى هذا الموقع، يكون قد رأى ما لا يراه إلا قلّة. وفي 1996، خرج برتبة لواء، وقد جمع في صدره أوسماً وميداليات. كان أمامه طريق جديد: السياسة.
النائب الذي صار رئيس اللجنة القانونية
سنة 1997، نزل غالب نائباً عن الدائرة الأولى في محافظة البلقاء. والبلقاء، كما يعرف الأردنيون، السلط عاصمتها. أي أنه عاد إلى مدينته نائباً عنها. الجمهور الذي صوّت له، يعرفه أو يعرف أهله. الإطار العشائري هنا واضح، ولا داعي للإنكار: العشيرة دفعته، والمدينة احتضنته.
لكن الذي حدث بعد دخوله المجلس مختلف. لم يكن نائباً عاديّاً ينتظر دوره في النقاش. كان رئيس اللجنة القانونية لثماني سنوات متصلة. هذه ليست لجنة عابرة. إنها التي تراجع كل مشروع قانون قبل أن يُعرض على المجلس. التي تقرأ كل سطر، تشير إلى كل ثغرة، تقترح كل تعديل.
لم يصل أحد إلى رئاسة هذه اللجنة بدون أن يعرف القانون من ألفه إلى يائه. وغالب، خرّيج دمشق والماجستير من مصر سنة 1981، كان يجمع بين الخلفية القانونية والخبرة الأمنية. تركيبة نادرة. يفهم النص ويفهم التطبيق.
ولاية واحدة لم تكن كافية. عاد عضواً في المجلس الرابع عشر بين 2003 و2007. وعاد رئيساً للجنة القانونية. حتى اليوم، يُذكر اسمه عند الحديث عن النواب الذين تركوا أثراً تشريعياً.
2009: وزير الدولة
في فبراير 2009، أُدخل لأول مرة في حكومة. وزير دولة لشؤون رئاسة الوزراء، في حكومة نادر الذهبي. منصب بروتوكولي إلى حدّ ما، يدير العلاقة بين الحكومة والبرلمان. لكنه باب الدخول.
من يعرف السياسة الأردنية يعرف أن وزير الدولة عادةً يصير لاحقاً وزيراً للسيادة. والسيادة تعني: الداخلية، الخارجية، العدل، الدفاع. الباشا غالب الزعبي كان مهيّأً لاثنين منها بطبعه: الداخلية لأنه أمنيّ، والعدل لأنه قانوني. وكلاهما جاءا له.
مايو 2012: أوّل مرّة في الداخلية
في مايو 2012، عُيّن لأول مرة وزيراً للداخلية في حكومة فايز الطراونة الثانية. الأردن وقتها كان يعيش أصداء الربيع العربي. مظاهرات، اعتصامات، نقاشات تشريعية ساخنة. الداخلية كانت في عين العاصفة. لكن مدة هذه الوزارة كانت قصيرة. خمسة أشهر فقط (مايو–أكتوبر 2012). الحكومة سقطت، وكان غالب من بين الوزراء الذين انتقلوا.
أكتوبر 2012: العدل
في أكتوبر، عاد إلى الحكومة الجديدة برئاسة عبدالله النسور. لكن هذه المرة بحقيبة مختلفة: وزير العدل. هذا يكشف شيئاً عن تقييم رئاسة الوزراء له: ليس مجرد رجل أمن وضعوه في الداخلية، بل قانونيّ يستطيع أن يحمل أيّ حقيبة قانونية أو سيادية. لكنّ هذه الوزارة أيضاً كانت قصيرة. خمسة أشهر (أكتوبر 2012 – مارس 2013). ثم خرج.
ثلاث سنوات تلت ذلك خارج الحكومة. سنوات قد تظنّها سنوات راحة، لكنها في الواقع سنوات إعداد للعودة الكبرى.
يناير 2017: الداخلية مرّة ثانية
في 15 يناير 2017، عاد غالب الزعبي وزيراً للداخلية للمرة الثانية، في حكومة هاني الملقي. وهذه المرة المدة كانت طويلة: سنتان وأربعة أشهر (حتى مايو 2019). واللافت في هذه العودة هو تأكيد على أن الباشا غالب الزعبي ما يزال يُعتبر في الدائرة العليا للقرار، رغم سنه آنذاك (74). في السياسة الأردنية، لا يُستدعى رجل بهذه السن إلا لسبب جوهري. واضح أن الدولة احتاجت يداً ثابتة على وزارة الداخلية في مرحلة معقّدة.
ما الذي كان معقّداً؟ اللجوء السوري. الأردن في 2017 كان يحتضن قرابة المليون لاجئ سوري، ومخيمي الزعتري والأزرق على رأسهما. الداخلية المسؤولة عن إدارة شؤون اللاجئين، والملف ثقيل سياسياً وأمنياً ومالياً. في إحدى جولاته آنذاك، أكّد غالب على “قدرة الدولة الأردنية وأجهزتها على التعاطي الإيجابي مع أزمات اللجوء” — كلام رسمي، لكن خلفه ملف يستهلك ميزانية ضخمة.
قضية الذيابات: لحظة الاختبار
في أكتوبر 2017، وقعت حادثة هزّت الرأي العام الأردني. الدكتور عبد العزيز الذيابات، مدير مستشفى الرمثا الحكومي، تعرّض هو وعدد من الكادر الإداري والطبي لاعتداء من قبل عناصر من الأمن. الصور انتشرت، الغضب اشتعل، وعشيرة الذيابات في الرمثا أعلنت موقفها. ما فعله غالب في هذه القضية يستحق التوقف. لم يلجأ إلى الصمت الوزاري المعتاد. ذهب بنفسه إلى الرمثا، إلى مضافة الذيابات. جلس مع الشيخ ومع أهل البيت، وقال أمام الكاميرات: “ما حدث للدكتور الذيابات عمل مدان“، ووصف الاعتداء بأنه “لا نقبله ونندّد به“، ووعد بأن “القانون سيحاسب مرتكبي الجريمة“.
هذه ليست تصريحات مكتبية. هذه مواجهة وزير لقضية ضدّ مؤسسته نفسها. الأمن جزء من وزارته، والاعتداء وقع من عناصر تابعة له، ومع ذلك خرج إلى الميدان واعترف. كثيرون ينتقدون أداءه في ملفات أخرى، لكن أحداً لم يستطع أن يقول إنه تهرّب من قضية الذيابات.
زيارة الأقصى، فبراير 2026
من المحطات اللافتة في سيرته بعد التقاعد الوزاري، زيارة المسجد الأقصى في 21 فبراير 2026. ليست زيارة رسمية بمعناها التقليدي، لكنها كانت سياسية في معناها. وزير داخلية أردني سابق، يدخل الأقصى في توقيت ملتهب، ضمن وفد رسمي. الرسالة كانت واضحة: الأردن لم ينسَ، وغالب الزعبي لم ينسَ.
في صوره من تلك الزيارة، يظهر الرجل بشماغه وهو يقف أمام قبة الصخرة. لقطة بسيطة، لكنها تختصر شيئاً جوهرياً عن جيله: القدس لم تكن قضية تُؤجَّل، كانت قضية تُمشى إليها.
العشيرة، 2020
في أغسطس 2020، أطلق غالب الزعبي مبادرة لافتة. دعا عشيرة الزعبي إلى عقد انتخابات داخلية لاختيار مرشح موحّد للانتخابات النيابية. هذه فكرة جذرية في السياق العشائري الأردني. ما يحدث عادةً أن العشيرة تنقسم بين مرشحَين أو أكثر، فتتشتّت الأصوات ولا يفوز أحدهم. غالب اقترح حلاً تنظيمياً: اختاروا مرشحاً واحداً عبر آلية ديمقراطية داخلية، ثم ادعموه كلكم. في بيانه، قال إن “وحدة العشيرة هي الأساس، ومن غير التوافق ستضعف فرصنا جميعاً“.
هذا الاقتراح، إن قرأتَه بدقة، يكشف عن رجل يفكّر بطريقة مؤسساتية حتى في العشيرة. لا يريد أن تكون الانتخابات صراع وجهاء، بل عملية منظّمة. وفي السياق الأردني، هذه ليست عبارة عابرة. هذه رؤية للحكم العشائري.
آراؤه السياسية: الفصل بين السلطات
من بين تصريحاته التي بقيت في الذاكرة، قوله إن “عدم تغوّل سلطة على أخرى هو ما يؤسس للديمقراطية“. عبارة قصيرة، لكنها موقف. وزير داخلية يقول علناً إن السلطات يجب أن لا يتغوّل بعضها على بعض — هذه ليست عبارة عادية.
من يعرف السياسة الأردنية يعرف أن وزراء الداخلية عادةً يميلون إلى تقوية سلطة الدولة ضدّ غيرها. أن يخرج وزير داخلية بهذه العبارة، يعني أنه يحمل في رأسه شيئاً من فكر القانون أكثر من فكر السلطة. وهذا متّسق مع خلفيته: قانوني قبل أن يكون أمنيّاً.
ما الذي يبقى من سيرة كهذه؟
سيرة غالب الزعبي ليست بسيطة كي تُلخَّص في فقرة. ستّ مراحل واضحة:
ضابط أمن سبعاً وعشرين سنة، نائب ثماني سنوات في دورتين، رئيس لجنة قانونية هي من أهم لجان البرلمان، وزير دولة للشؤون البرلمانية، وزير داخلية مرتين، وزير عدل مرة. هذه ستة مناصب، أربعة منها سيادية. ولا أحد ينكر أن المسيرة طويلة وأنها أنتجت بصمة.
ربما هذا هو ما يميّز جيلاً كاملاً من السياسيين الأردنيين: يكتسبون النفوذ ولا يكتسبون الثروات. يخرجون من المنصب وأهم ما يحملونه هو سمعتهم. وهذا، في زمن صار فيه المنصب طريقاً للثروة عند كثيرين، يستحق التسجيل.
سؤال يطرحه الباشا علينا
الباشا غالب الزعبي يجلس اليوم في الثالثة والثمانين من عمره. ربما يقرأ، يستقبل أهل العشيرة، يتأمّل صور المراحل. الجيل الذي ينتمي إليه يكاد ينقرض. جيل الستينات والسبعينات الذي تعلّم في دمشق والقاهرة، خدم في الأمن، دخل البرلمان، ووصل إلى مقاعد الوزارة. الجيل الذي عرف الأردن وهو يتشكّل.
السؤال الذي يطرحه علينا، دون أن يطرحه بصوت عالٍ، هو: ماذا بعد جيلنا؟ الذين سيخلفونه في الداخلية وفي القانون وفي العشيرة وفي السياسة، هل سيحملون ما حملوه هم؟ هل سيتمسّكون بفكرة “الدولة قبل المنصب”؟ هل سيحفظون السمعة بنفس الحرص؟
ربما الإجابة ليست عند غالب. الإجابة عندنا. عندما نقرأ سيرته، نسأل أنفسنا أيّ جزء منها نريد أن نتعلّم منه.
في النهاية، الرجال مثله لا يُكتَب عنهم لأنهم كانوا مثاليين. يُكتَب عنهم لأنهم كانوا حقيقيين. عاشوا زمنهم بكل ما فيه من جمال ومن نقص، وتركوا بعدهم سؤالاً مفتوحاً عن المستقبل.



