في السلط القديمة، حيث تتراص البيوت الحجرية على الجبال، أبصر محمد النور. لم يكن أحد يعلم آنذاك أن هذا الابن الذي سيحمل لاحقاً كنية «أبو علاء»، سيمسك بعد سنوات بمسطرة المهندس، ويرسم خرائط لمبانٍ جامعية، وأن اسمه سيتردد في الصحف بين عناوين الإنجاز وقوائم المرشحين.
اسمه المهندس محمد سليمان خريسات. أما لقبه الذي اختاره الناس له، فأبو علاء.
البدايات من تحت سقف السلط الثانوية
عام 1997، خرج من بوابة مدرسة السلط الثانوية شاب يحمل شهادة الفرع العلمي وحلماً أكبر من حقيبته. كان طريقه إلى الجامعة طويلاً، فحزم أمتعته باتجاه بغداد، حيث التحق بالجامعة التكنولوجية لدراسة الهندسة المدنية. خمس سنوات في عاصمة الرافدين، بين كتب الإنشاء ومدرجات الكلية، حتى عاد إلى الأردن وفي جيبه شهادة البكالوريوس، وفي رأسه فكرة واحدة: أن يبني شيئاً يبقى.
في مقابلة صحفية عام 2019، عرّف نفسه بعبارة مقتضبة: «أنا محمد سليمان خريسات، خريج مدرسة السلط الثانوية 1997، وحاصل على بكالوريوس الهندسة المدنية من بغداد». لم يضف شيئاً عن نفسه. الناس في السلط يعرفون أن الشهادات تتكلم وحدها.
على الإسفلت وفي الورش: مدرسة الميدان
بين عامي 2002 و2003، تولى إدارة مشاريع إنشاء جامعة عمان العربية في مراحلها الأولى. كانت الجامعة آنذاك فكرة تتحول إلى جدران، وكان هو من يتابع الجدران وهي تطلع من الأرض. مباشرة بعدها، انتقل إلى جامعة فيلادلفيا مديراً للمشاريع بين 2003 و2006، فأشرف على بناء كليتي التمريض والصيدلة، وعلى استاد الجامعة ومرافق رياضية أخرى.
لكن المحطة التي يتذكرها الناس، والتي صنعت له اسماً يتجاوز السلط والبلقاء، كانت في جامعة الزرقاء.
هناك، أصبح مديراً للدائرة الهندسية والصيانة. وهناك، تحديداً عام 2016، ولد المشروع الذي يستحق أن يكتب عنه فصل منفصل: محطة الطاقة الشمسية الكهروضوئية بقدرة 1.89 ميغاواط.
تخيل المشهد: 7650 لوحاً شمسياً تغطي مساحات واسعة داخل الحرم الجامعي، كل لوح بسعة 250 واط، تربطها 58 محولاً عاكساً، كل منها بقدرة 27.6 كيلواط. سبعة آلاف وستمئة وخمسون لوحاً تلتقط شمس الزرقاء وتحولها كهرباء. شركة تركية وأخرى محلية نفذتا المشروع، وكوادر شركة «أصول مستمرة للطاقة المتجددة» شاركت في التركيب. الجامعة خفضت فاتورة الكهرباء، والأردن ربح نموذجاً يحتذى به في الطاقة النظيفة.

كان أبو علاء يقف تحت تلك الألواح، ويتابع التركيب لوحاً لوحاً. هذا ما يقوله من شاهده يومها.
الزي الرسمي: مقدم مهندس في الدفاع المدني
لمن يظن أن المهندس كائن ورقي يعيش بين المخططات والعطاءات، فإن سيرة خريسات تربك هذا التصور. خدم في الدفاع المدني الأردني على فترتين بصفة «مقدم مهندس»: الأولى من 26 كانون الثاني 2017 إلى 31 أيار من العام ذاته، والثانية أطول، من 8 تشرين الثاني 2018 إلى 13 تشرين الثاني 2019.
البزة الرسمية كانت تنتظره في الصباح، وأوراق المشاريع في المساء.
شركتان وعقد موحد يعرف تفاصيله عن ظهر قلب
إلى جانب وظائفه، أسس خريسات شركتين خاصتين: «محمد خريسات وشريكه للمقاولات الإنشائية»، المسجلة في نقابة المقاولين الأردنيين برقم هاتف (795555596)، و«شركة الوادي للإسكان والتطوير العقاري».
في كل مرة يفتح فيها ملف عطاء جديد، يبتسم زملاؤه ويشيرون إليه قائلين: «هذا الرجل يحفظ تفاصيل عقد المقاولة الموحد عن ظهر قلب». وقد وصفته إحدى الصحف بأنه «مهندس خبير في الأمور التعاقدية والقانونية للمشاريع وفق عقد المقاولة الموحد». البقية في الحقل يكتفون بأن يقولوا عنه: «طموح كبير، وشخصية هادئة في التعامل».
ولأنه يعرف أن المهنة بيت لا يبنى وحده، فهو عضو في نقابة المهندسين الأردنيين ونقابة المقاولين الإنشائيين.

من المسطرة إلى الصندوق الانتخابي
في حزيران 2024، فاجأ أبو علاء كثيرين حين دخل الميدان السياسي. ترشح لإنتخابات مجلس النواب ضمن قائمة العدالة في محافظة البلقاء، إلى جانب سبعة آخرين. كان شعاره واضحاً: أن تتحول خبرته الهندسية في إدارة المشاريع إلى أدوات في إدارة الشأن العام.
على صفحات الحملة كتب أهل السلط تعليقات من نوع: «التوفيق لإنسان السلط»، و«أبو علاء فخر المحافظة».
رجل من هنا
في زاوية هادئة من إحدى المقابلات، وصفه أحدهم بعبارة مختصرة: «هو شخص قوي الموقف، يقف بجانب الناس ويسعى لدعمهم. بسيط في تعامله، شديد الطموح».
هذه السيرة ليست مكتملة بعد. أبو علاء ما زال يرفع مخططات، ويوقع عقود مقاولات، ويتلقى مكالمات من أبناء السلط يستشيرونه في أمر صغير أو كبير. مدينته تعرفه، وهو يعرفها.
ولأن مدرسة السلط الثانوية التي تخرج منها عام 1997 ما زالت تخرج كل سنة شباباً يحملون أحلاماً مماثلة، فإن في قصة المهندس محمد سليمان خريسات رسالة لمن جاؤوا بعده: من السلط يبدأ الطريق، وإلى السلط يعود.



