بين جبال مدينة السلط العتيقة، حيث تتنفس الحجارة الصفراء عبق التاريخ وتُروى حكايات الرجال الذين أسسوا لنهضة الأردن، وُلد ماهر أبو السمن عام 1957. لم تكن طفولته عادية؛ فقد نشأ في كنف والده، الشيخ حمدي توفيق أبو السمن، الذي حمل أمانة رئاسة بلدية السلط لسنوات، وزرع في أرجاء بيته مبدأً لا يحيد: “الخدمة العامة شرف لا امتياز، والوطن للجميع“.
في ذلك البيت السلطي الأصيل، تشكّل الوعي المبكر للفتى. كبر وهو يرى والده يخدم الناس، فأدرك أن المسؤولية ليست كرسياً، بل أمانة ثقيلة ومواقف تُختبر على أرض الواقع. قادته طموحاته إلى العاصمة الرومانية بوخارست ليدرس الهندسة المعمارية، لكنه لم يعد من هناك يحمل شهادة لرسم المباني فحسب، بل عاد برؤية “مهندس دولة“؛ يدرك أن البناء الحقيقي يتجاوز الإسفلت والحجارة، ليصل إلى بناء البنية المؤسسية وتأسيس الثقة.
حارس المال العام
كانت أولى محطاته البارزة في ديوان المحاسبة، كرئيس لقسم متابعة المشاريع. هناك، في أروقة الرقابة، أثبت أن المال العام ليس مجرد أرقام تُسجل في تقارير، بل هو مقدرات أمة يجب حمايتها. تعاطى مع الرقابة كدرع يحمي المؤسسة لا كخصومة معها؛ فكان حازماً دون استعراض، ودقيقاً دون ضجيج.
السلط على خريطة العالم
وكما يعود الطير إلى عشه، عاد المهندس ماهر لخدمة مدينته. بين عامي 1999 و2003، تسلم رئاسة بلدية السلط الكبرى. لم يكتفِ بتقديم الخدمات التقليدية، بل حول البلدية إلى نموذج إداري وتنموي حي. وبفضل رؤيته التي زاوجت بين الأصالة والحداثة، ساهم بشكل جوهري في وضع السلط على خريطة التراث العالمي لليونسكو، ليثبت أن التطور الحقيقي ينبع من الحفاظ على الهوية.

وزير المهام الثقيلة: أفعال لا أقوال
سرعان ما اتسعت دائرة عطائه لتشمل الوطن بأسره. تنقل بين حقائب وزارية ثقيلة؛ من الشؤون البلدية، إلى المياه والري، مروراً بالنقل، وصولاً إلى وزارة الأشغال العامة والإسكان. في كل موقع تولاه، ترك بصمة “الإداري الميداني“. فهو رجل يدرك أن العمل يكون “على مسافة واحدة من الجميع“، لا يشتبك مع الكاميرات بقدر ما يشتبك مع التفاصيل، ولا يبحث عن التصفيق بل عن إتقان التنفيذ.
في وزارة الأشغال، تجلت فلسفته: تسريع إنجاز الطرق الاستراتيجية، إطلاق خدمات إلكترونية للتحول الرقمي، رفع كفاءة العطاءات، وفرض معايير صارمة للشفافية. كان يؤمن إيماناً راسخاً بأن الطريق الذي يُعبد في الجنوب هو نفسه الذي يخدم الشمال، وأن الدولة منظومة متكاملة لا تعترف بالتقسيمات الضيقة أو الجهوية.
ماهر أبو السمن | إعتراف دولي بجهد وطني
هذا النهج المتزن، الذي يجمع بين دقة المهندس وحنكة الإداري، لم يمضِ دون تقدير. ففي عام 2025، توّجت مجلة “فوربس الشرق الأوسط” مسيرته باختياره ضمن أبرز 10 مسؤولين حكوميين يسهمون في رسم ملامح قطاع العقارات في المنطقة. كان هذا تقديراً لرؤية استراتيجية تضع حماية المستهلك وجودة التنفيذ في قمة أولوياتها.
رسالة إلى الجيل الحالي
اليوم، وبعد أكثر من أربعين عاماً من العمل العام، يقف معالي المهندس ماهر أبو السمن كنموذج إداري يُحتذى به. في زمن ارتفعت فيه نبرة الخطابات، اختار هو أن يخفض صوته ويرفع مستوى أدائه.
إلى الجيل الحالي نقول: الأوطان لا تُبنى بالشعارات، بل تبنى برجال أمثال ماهر أبو السمن؛ رجال آمنوا بالخدمة قبل المنصب، وبالعطاء قبل الظهور. مهندسون لا يكتفون بشق الطرقات، بل يبنون داخل مؤسسات الدولة ثقافة انضباط ونزاهة، لتبقى جسور الثقة بين المواطن ودولته متينة لا تهتز.



