في جامعة البلقاء التطبيقية، إذا سألتَ طالباً في قسم المحاسبة: “مع من تسجل هذه المادة؟“، ستجد اسماً يتكرر في الإجابات: الدكتور إياد الحياصات. الإجابة تأتي بدون تردد، ودون تحفّظ يقوله الطلبة عادةً عن مدرّسي المواد الصعبة.
هذه التفصيلة الصغيرة، التي قد لا يلتفت إليها أحد، هي مدخل جيد لفهم الرجل. الناس لا تحسم اسماً بهذه السرعة إلا حين يكون قد بنى لنفسه سمعة تسبقه إلى القاعة. لكن السؤال الأصدق ليس عن السمعة، بل عن الطريق التي قُطعت لبناء هذه السمعة. والطريق، في حالة الدكتور إياد، طويلة جداً.
(2002) حين كانت الجامعة تعمل على الورق
في تلك السنة، كان الإنترنت في الأردن ما يزال يُقاس بالساعة، وكانت الجامعات تعمل بنظم ورقية أكثر منها رقمية. في تلك السنة بالذات، دخل إياد عبد الحليم الحياصات إلى جامعة البلقاء التطبيقية بصفة لا يتوقّعها كثيرون من أكاديمي محاسبة شاب: رئيس قسم الرقابة المالية في وحدة الشؤون المالية.
هذا ليس منصباً بسيطاً. الرقابة المالية تعني التدقيق الداخلي، ومتابعة الموازنات بنداً بنداً، والتأكد من أن كل دينار يصرف وفق القانون. مهمة لا تحبّب صاحبها لأحد عادةً، لأنه الرجل الذي يقول “لا” حين يريد الجميع أن يسمعوا “نعم”. لكنها مهمة تبني شيئاً مهماً في الإدارة الحكومية: قراءة الأرقام قبل قراءة الوجوه،
من هنا بدأ. ومن هنا تخرّج إلى ما بعد.
التدرّج الذي لا تراه عيون الطلبة
من 2002 إلى 2026، ربع قرن داخل الجامعة الواحدة. لمن لا يعرف الإدارة الحكومية الأردنية، هذه السنوات تعني أن الرجل لم يتنقّل بين المؤسسات بحثاً عن المنصب، بل ترقّى داخل مؤسسته نفسها. وهذا فارق جوهري.
- 2002–2004: رئيس قسم الرقابة المالية
- 2004–2006: مساعد مدير دائرة الخدمات العامة
- 2006–2011: مدير دائرة الخدمات التنفيذية
- 2011–2014: مساعد مدير دائرة الخدمات العامة (عودة بصفة أعلى مسؤولية)
- 2019–2021: عضو هيئة تدريس في كلية عمان الجامعية (بعد عودته من البرتغال بالدكتوراه)
- 2021 وحتى الآن: عضو هيئة تدريس في كلية الأعمال – جامعة البلقاء التطبيقية
- 2022 وحتى الآن: مدير وحدة الخدمات العامة
ما يستحق التوقف هنا: خط مزدوج. أكاديمي يدرّس المحاسبة، وإداري يدير البنية التحتية واللوجستيات. الجمع بين الاثنين نادر. الأكاديمي عادةً يهرب من الإدارة، والإداري عادةً لا يحمل عبء التدريس. إياد فعل الاثنين معاً، ولثلاثة وعشرين عاماً.

الدكتوراه التي تأخّرت لأنها استحقّت التأخير
في عام 2019، حصل إياد على الدكتوراه من جامعة مينهو البرتغالية بأطروحة عن المعايير الدولية للتقارير المالية وحوكمة الشركات. مَن لا يعرف مينهو، فهي جامعة بحثية بارزة في شمال البرتغال، يعرفها المتخصصون في المحاسبة وحوكمة الشركات.
النقطة المهمة ليست الشهادة. كثير من الأردنيين يحصلون على دكتوراهات من الخارج. النقطة هي توقيت هذه الشهادة. حصل عليها وهو بعمر منتصف الأربعينات، بعد سبع عشرة سنة في الإدارة. أي أنه لم يذهب للدراسة كشاب يبحث عن أول وظيفة، ذهب وهو في موقع رفيع، يدرس بينما يدير، ويبحث بينما يشرف على مشاريع. هذا النوع من الدكتوراه أصعب بكثير من الدكتوراه التقليدية.
ولأنه عاد إلى الجامعة نفسها، يصير لشهادته معنىً عملياً: خبرة سبعَ عشرة سنة، يُضاف إليها بحث أكاديمي رصين. هذا التركيب يُنتج نوعاً نادراً من الأكاديميين.
ما الذي يجعل دكتور المحاسبة محبوباً؟
ما الذي يجعل دكتور المحاسبة محبوباً بين طلابه؟ المادة نفسها صعبة، مليئة بالحسابات والقوانين والمعايير. أي مدرّس يخرج من قاعة محاسبة وطلبته يحبّونه، إما رجل صبور بطبعه، أو رجل يعرف الفرق بين صرامة المادة وقسوة المعاملة.
إياد يدرّس مساقات تمتد من مبادئ المحاسبة للسنوات الأولى، إلى المحاسبة المتقدمة، التدقيق الداخلي، تحليل القوائم المالية، والبرمجيات المحاسبية التطبيقية للسنوات النهائية. هذه السلسلة الكاملة تعني أن الطالب قد يبدأ معه في السنة الأولى ويختم معه في السنة الأخيرة. علاقة طويلة، تعمّق التأثير.
في صفحات الطلبة، حين يأتي موسم تسجيل المواد، تتكرر الأوصاف عنه: “إنساني“، “بيسهّل المادة“، “ما بيعقّد“، “عادل في رصد العلامات“. هذه ليست شهادات يمكن شراؤها أو تنظيمها، تأتي من الجمهور الأصعب: طلبة يجلسون أمامك ثلاث ساعات في الأسبوع، ولا يجاملون.
الإدارة من المكتب أم من الميدان؟
سنة 2022، تولّى الدكتور إياد منصب مدير وحدة الخدمات العامة في الجامعة. لمن لا يعرف، هذه ليست وظيفة. هذه إدارة كاملة لها مئات الموظفين، ومسؤولياتها تشمل: البنية التحتية، الصيانة، الأمن والسلامة، تجهيز الحرم لاستقبال الطلبة، إدارة الطوارئ.
هذا الموقع يُختبر بشكل أسبوعي. أي خلل في خدمة، أي تأخّر في صيانة، أي انقطاع كهرباء يُلقى مباشرة على عاتق هذه الوحدة. مَن يديرها بدون أن يخسر سمعته، فقد عمل عملاً حقيقياً.
ما يُذكر عنه في هذا الجانب يلفت الانتباه: يخرج إلى الميدان بنفسه. في ليالي الثلج والأمطار، حين يُغلق كثير من المسؤولين هواتفهم وينتظرون التقرير في الصباح، يكون إياد في الجامعة. هذا التفصيل يُدخلنا في نقاش أعمق. الإدارة في الأردن تعاني من مشكلة معروفة: المسؤول الذي يدير من مكتبه، ولا يرى الميدان إلا حين تُجهَّز له الجولة وتُسلَّم له الورود. الناس صاروا يميّزون بسرعة بين المسؤول “الذي يتفقّد” والمسؤول “الذي يُتَفَقَّد له“. إياد، حسب ما يكتب عنه زملاؤه وموظفوه، من الفئة الأولى.
من المكتبة الوطنية إلى مدارس السلط
لو سألتَ مسؤولاً عادياً عن إنجازاته، سيرد بعبارات مطاطية. اسأل إياد، ستجد قائمة بأسماء ومواقع محددة:
- مبنى المكتبة الوطنية التابع لوزارة الثقافة. كان رئيس فريق الجامعة المنفّذ.
- مبنى مصادر التعلم التابع لوزارة التربية والتعليم. أشرف على تجهيزه.
- مسجد النعمان الكبير في الأغوار الوسطى. تابع تنفيذ أعمال البناء والصيانة.
- مدارس التميّز في السلط. أشرف على فرق العمل فيها.
- مباني بلدية دير علا. أدار فرقاً تنفيذية للأعمال الخدمية.
هذه ليست مشاريع جامعية فقط، هذه مشاريع وطنية. الجامعة تُكلَّف بها، وتُوكلها لمن تثق به. حين يتكرر اسم رجلٍ بعينه في عدة مشاريع، يعني أن الإدارة العليا اختارته أكثر من مرة، وأن النتائج كانت تستحق إعادة الاختيار.
لمن يفهم المشاريع الحكومية: هذا النوع من الإشراف مقبرة للسمعات. تأخّر، أو تجاوز ميزانية، أو خلل في الجودة، وتبدأ التحقيقات. ومن يخرج من خمسة مشاريع بسمعة سليمة، يكون قد قدّم برهاناً عملياً لا يُكتب في السيرة: أن الرجل يحمل ثقلاً.
الباحث الذي لا يُسمَع كثيراً
الجانب الأكاديمي البحثي لدى الدكتور إياد يستحق توقفاً منفصلاً، لأنه الجانب الذي لا يراه الطلبة ولا الموظفون. أبحاثه المنشورة في مجلات علمية محكمة دولياً تدور حول خمسة محاور:
- حوكمة الشركات ولجان التدقيق: كيف تؤثر تركيبة مجالس الإدارة على قيمة الشركات وأدائها. موضوع تقني، لكنه في صلب اقتصاد اليوم.
- جودة التقارير المالية والمسؤولية الاجتماعية: بحث كيف يُؤثر الإفصاح عن المعايير البيئية والاجتماعية على جودة التقارير المالية وقيمتها السوقية.
- هيكل رأس المال وسياسات توزيع الأرباح: العلاقة بين قرارات التمويل وربحية الشركات.
- معيار IFRS 15 وتطبيقاته: دراسات عن أثر تطبيق المعايير الدولية الجديدة على جودة التقارير.
- المحاسبة الخضراء ورأس المال الفكري: دور رأس المال الفكري في إدارة سلاسل الإمداد الخضراء، وطرق الإفصاح المحاسبي البيئي.
هذ المحاور تكشف عن باحث لا يعمل في موضوع واحد ضيّق، بل يتنقّل بين أربعة أو خمسة موضوعات متصلة. وفي العلم الأكاديمي، هذا يعني أنه يقرأ كثيراً قبل أن يكتب. الأبحاث التي تجمع بين الحوكمة والمحاسبة البيئية لا يكتبها مَن يبحث عن ترقية، بل من يشتغل في الموضوع بصدق.
ابن السلط الذي لم يغادرها
في الأكاديميا الأردنية، ظاهرة معروفة: مَن يحصل على شهادته من الخارج، يبدأ تدريجياً في الابتعاد عن جذوره. يلبس قشرة الأكاديمي العالمي، يعيش في عمان، يقلّل زياراته لبلدته الأم. إياد لم يفعل ذلك.
ابن عشيرة الحياصات في السلط، عاد من البرتغال إلى البلقاء التطبيقية. صفحات السلط وعشيرة الحياصات تتداول اسمه في المناسبات الاجتماعية، التهاني، الفعاليات. ليس بصفته “الدكتور الذي خرج من المدينة“، بل بصفته “ابن المدينة الذي يعمل فيها“.
الجزء الأكثر دلالةً: من بين المشاريع التي أشرف عليها، مدارس التميّز في السلط. يعني أنه استخدم موقعه ليُحسّن البنية التعليمية في مدينته نفسها. هذا ليس استغلالاً للمنصب، هذا توظيف صحيح للمسؤولية. وهذا الفرق بين رجل العشيرة الذي يُحابي، ورجل العشيرة الذي يخدم.
أكاديمي في زمن صنّاع المحتوى
ملاحظة قد تكون مهمة في هذا الزمن بالذات: إياد الحياصات ليس صانع محتوى. لا يصوّر ريلز، لا يخرج على لايف، لا يبيع كورسات. حضوره الرقمي حضور مؤسسي، تتركز بين باحثي المحاسبة وإدارة الأعمال. على جوجل سكولار وريسيرش جيت: أبحاثه موثّقة وحضوره العلمي واضح. على فيسبوك، المنصة الأكثر تفاعلاً بالنسبة له، يظهر بصورة ميدانية: جولات الجامعة، فعاليات السلط، تهاني الزملاء، مناسبات العشيرة.
هذا النمط، إن قرأتَه صحيحاً، يخبرك عن طبيعة الرجل: لا يبيع نفسه، يعمل. وهذا في زمن يبيع فيه كل شيء، نوع نادر يستحق التوقف عنده.
العمود الفقري الذي لا يُلتفت إليه
سيرة إياد الحياصات لا تشبه السير الصاخبة. لا قضايا، لا جدالات على وسائل التواصل. ولا أيضاً مزايدات شعبوية ولا خطابات رنّانة. سيرة هادئة، مبنية على عمود واحد: العمل. ربع قرن من العمل، تحديداً. وهذا، بصراحة، ما يجعل الكتابة عنه أصعب من الكتابة عن الشخصيات الجدلية. حين يكون الرجل نظيفاً ومُنتجاً ومحبوباً، تخلو الصفحة من العناوين الصاخبة، ويُترك للكاتب أن يبحث في التفاصيل عمّا يستحق الذكر.
لكن ربما هذا هو بيت القصيد. في زمن يبحث فيه الجميع عن الضجة، رجل يدير وحدة كاملة، ويُدرّس في القاعة كل أسبوع، ويذهب إلى الميدان في الليالي الباردة، ويكتب أبحاثاً في الحوكمة، ويعود إلى السلط في الإجازات — هذا الرجل لا يحتاج عنواناً صاخباً. يحتاج فقط أن يُلتفت إليه، ولو لمرة.
ربما أكبر مشكلة هذا الزمان أننا نسلّط الضوء على الصاخبين ونترك العاملين في الظل. وإياد، من جيله ومن أبناء جامعته، ليس وحده. هناك آخرون مثله، في مكاتب صغيرة، يدرّسون ويديرون ويبحثون، دون أن يطلب أحدهم تكريماً ولا منصباً أعلى.
هؤلاء، في النهاية، هم العمود الفقري للمؤسسات الأردنية. والمؤسسات التي تنسى عمودها الفقري، تنحني سريعاً.


