في السلط، حيث للأسماء وزنها، وللسيرة معناها، يبرز اسم سعادة السيد خالد عبد الرزاق موسى الحياري “أبو حديثة”، كواحد من الوجوه التي تشكّلت ملامحها في الميدان قبل أن تعبر إلى الشأن العام. فهو من أبناء محافظة البلقاء، من مواليد عام 1962، وقد حمل منذ بداياته خبرة متصلة بالواقع اليومي للناس، لا سيما في القطاع الزراعي الذي ظل واحدًا من أكثر القطاعات حضورًا في مسيرته العامة.
لم تأتِ تجربة الحياري من فراغ، ولم تبدأ من المنابر العالية، بل من تماس مباشر مع الأرض وما يتصل بها من تعبٍ وإنتاج وانتظار. ومن هنا بدا طبيعيًا أن يتقدم اسمه في العمل الزراعي، وأن يشغل سابقًا منصب رئيس اتحاد المزارعين الأردنيين، وهو موقع منحه معرفة واسعة بتفاصيل هذا القطاع، وبما يحيط به من تحديات تتصل بالمياه والإنتاج وكلفة الزراعة وهموم المزارعين.

خالد الحياري .. من الميدان إلى قبة البرلمان
وحين انتقل إلى العمل النيابي، لم يخرج من عباءة تلك الخبرة، بل حملها معه إلى تحت القبة، لتصبح الزراعة والمياه من أكثر الملفات التصاقًا بحضوره البرلماني. وقد ثبت حضوره نائبًا عن السلط في المجلس الثامن عشر، حيث نال 7256 صوتًا عن الدائرة الأولى، كما أدرج ضمن النواب المستقلين في ذلك المجلس، في صورة تعكس حضوره السياسي الواضح في محافظة البلقاء. وبصرف النظر عن اختلاف بعض السجلات العلنية في تعداد جميع الدورات التي شارك فيها، فإن الثابت أن اسمه كان حاضرًا في الحياة النيابية الأردنية بوصفه واحدًا من الأصوات المرتبطة بقضايا الناس والمعيشة والإنتاج.
وفي البرلمان، لم يكن خالد الحياري اسمًا عابرًا في المشهد، بل اتخذ موقعه الطبيعي في لجنة الزراعة والمياه، وهي اللجنة التي انسجمت تمامًا مع خلفيته المهنية وخبرته السابقة. ومن خلال هذا الموقع، ظهر انشغاله المباشر بالملفات التي تمس المزارع الأردني، ولا سيما حين أعلن عن تشكيل لجنة مشتركة تضم الحكومة وممثلين عن القطاع الزراعي وخبراء لدراسة موضوع الضريبة على مدخلات الإنتاج الزراعي، في خطوة عكست فهمًا عمليًا لطبيعة العلاقة بين القرار الاقتصادي واستقرار القطاع الزراعي.
حين تصنع الزراعة رجلًا للدولة
وفي لحظات الاختبار، تتكشف طبائع الرجال أكثر من أي وقت آخر. وفي تجربة الحياري، برز ذلك بوضوح حين قدّم استقالته من رئاسة لجنة الزراعة والمياه عام 2018 احتجاجًا على ما عُدّ عدم التزام بما تم التوافق عليه، وهو موقف منح سيرته بُعدًا مختلفًا، عنوانه أن العمل العام ليس مجرد حضور في الصورة، بل قدرة على اتخاذ موقف حين تستدعيه القناعة. فمثل هذه المحطات لا تُقرأ فقط بوصفها حدثًا سياسيًا عابرًا، بل بوصفها تعبيرًا عن شخصية اختارت أن تنحاز إلى ما تراه صوابًا، حتى لو كان الثمن مغادرة الموقع.
ولم تظل اهتماماته محصورة في الملف الزراعي وحده، إذ امتد حضوره النيابي إلى قضايا عامة تمس المجتمع على نحو أوسع. ففي عام 2019، حضر اسمه في الدعوة إلى التوسع في العفو العام، وهو ما يكشف عن شخصية نيابية لم تنكفئ على ملفها المتخصص فقط، بل سعت إلى التفاعل مع ملفات تشريعية واجتماعية أكثر اتساعًا، تلامس نبض الشارع وتطلعات الناس.
ومع تحولات الحياة السياسية في الأردن، ظل خالد الحياري حاضرًا في المجال العام، متابعًا ومشاركًا، لا من موقع المتفرج. وفي عام 2024، أعلن دعمه لحزب الاتحاد الوطني خلال فعالية ضمت وجهاء وأهالي من السلط بحضور رئيس الحزب محمد الخشمان، في خطوة تؤكد أن حضوره لم ينقطع بانتهاء محطة نيابية، بل استمر عبر التفاعل مع المسار السياسي والحزبي في البلاد.
وإذا كان لبعض الرجال أن يُعرَفوا من خلال مناصبهم فقط، فإن خالد الحياري يُقرأ من مسار كامل، تتجاور فيه الخبرة المهنية مع الحضور النيابي، ويظهر فيه العمل العام بوصفه امتدادًا طبيعيًا لتجربة بدأت من الأرض، ثم اتسعت لتصل إلى البرلمان، وتواصلت لاحقًا في فضاء السياسة الأرحب. وهذه السيرة، بما فيها من تنقل بين الحقل النيابي والملف الزراعي والموقف السياسي، تمنح صورة رجلٍ لم يأتِ إلى الشأن العام من الخارج، بل خرج من تفاصيله اليومية، وحمل معه أسئلته وهمومه إلى مواقع المسؤولية.
في الحديث عن رجالات السلط، لا تكون القيمة في كثرة الأوصاف، بل في وضوح المسار. ومن هذه الزاوية، تبدو سيرة خالد الحياري سيرة رجلٍ ارتبط اسمه بمحافظة البلقاء من خلال العمل، وعرفته الحياة العامة من بوابة الزراعة، ثم من خلال التجربة النيابية، ثم عبر استمراره في الحضور السياسي حتى السنوات الأخيرة. إنه نموذج لشخصية أردنية تشكلت بهدوء، وتقدمت بخطوات متدرجة، وظلت وفيّة للمجال الذي خرجت منه، من دون أن تنفصل عن التحولات الأوسع في الحياة العامة.



