في السلط، لا تُقاس الوجاهة بكثرة الصور ولا بطول الألقاب. تُقاس أحيانًا بقدرة الرجل على أن يجلس في مجلس، فينصت له الكبار قبل الصغار، وأن يروي حادثة من خمسين أو ستين عامًا كأنها وقعت أمس، وأن يربط بين المدرسة والجيش والمضافة والمدينة بخيط واحد اسمه: الذاكرة.
من هنا يطلّ الحاج علي كرم الخليفات، المعروف بين الناس بـ أبو غازي. ليس بوصفه شخصية تبحث عنها الكاميرات، بل بوصفه واحدًا من أولئك الرجال الذين تصنعهم المدن القديمة ببطء: شيء من قسوة الطريق، وشيء من حكمة العمر، وشيء من هيبة المكان.
من حي الخليفات بدأت الحكاية
وُلد أبو غازي في السلط عام 1941، في مدينة لم تكن يومها كما نعرفها الآن. كانت السلط آنذاك مدينةً تصعد من حجارتها إلى ذاكرتها، وتوزع أبناءها بين المدارس والحقول والعسكر والمضافات. في تلك البيئة، لم يكن الطفل يتعلم من الكتاب وحده؛ كان يتعلم من الطريق، من البيت، من الكبير، من صلاة الفجر، ومن هيبة المعلم.
نشأ أبو غازي (الحاج علي كرم الخليفات) في بيت يضم الوالد والوالدة وتسعة أبناء. وهذه التفصيلة، رغم بساطتها، تشرح جانبًا من تكوينه: رجل خرج من بيت ممتلئ بالأصوات والمسؤوليات، لا من عزلة فردية. فالبيت الكبير في السلط لم يكن عددًا فقط، بل مدرسة يومية في الصبر والاحترام وتقاسم الحياة.
لم تكن السلط بالنسبة له عنوانًا على البطاقة الشخصية. كانت ذاكرة. والفرق كبير بين من يسكن المدينة، ومن تسكنه المدينة.
الولد الذي مشى إلى المدرسة
بدأ أبو غازي (الحاج علي كرم الخليفات) تعليمه في الكتاتيب، كما بدأ كثير من أبناء جيله. ثم انتقل، وهو في السابعة تقريبًا، إلى مدرسة كانت تُعرف بمدرسة “التل”، وكان الطريق إليها يمتد نحو أربعة كيلومترات من البيت. في زمننا الحالي، قد تبدو المسافة تفصيلًا عابرًا. أما في زمنه، فكانت جزءًا من الدرس نفسه.
كان الطفل يذهب إلى المدرسة قبل أن يعرف معنى “المواصلات المدرسية”. يمشي الطريق، يصعد وينزل، يحمل كتبه القليلة، ويعود بما هو أكثر من درس الحساب والقراءة. يعود بانضباط الطريق، وباحترام المعلم، وبمعرفة أن العلم لا يأتي إلى البيت دائمًا؛ أحيانًا عليك أن تمشي إليه.
ومن أكثر التفاصيل التي توقف عندها أبو غازي أن عدد طلبة الصف الأول الابتدائي سنة 1950 كان 104 طلاب، وأن ترتيبه كان الثالث. الرقم وحده يقول الكثير: صف كبير، مدرسة محدودة الإمكانات، ومع ذلك كان هناك طلاب يريدون التعلم ويحترمون أساتذتهم. إلى جانب انتقاله لاحقًا إلى مدرسة السلط، ثم مدرسة طارق بن زياد، ثم مدرسة السلط الثانوية.
في ذاكرته، لم يكن التعليم القديم مجرد حنين. كان معيارًا يقيس به ما تغير. كان يرى أن المدرسة القديمة، رغم قلة الإمكانات، كانت أوسع في أثرها. لم تكن تعلّم الطالب الكتاب فقط، بل الزراعة والنجارة والحدادة والمسرحيات، وتمنحه معرفة متداخلة لا تُختصر في شهادة ضيقة.
من مقاعد الكتاتيب إلى جهاز اللاسلكي
بعد المدرسة، ذهب أبو غازي (الحاج علي كرم الخليفات) إلى طريق آخر: القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي. سجّل في الجيش عام 1958، وتحديدًا في جهاز اللاسلكي، وتقاعد عام 1985 بعد خدمة امتدت لأكثر من سبعة وعشرين عامًا.
تفصيل اللاسلكي ليس تفصيلًا إداريًا فقط. اللاسلكي في تلك المرحلة كان صوت الجندي حين تتباعد المسافات. كان الجهاز الذي يحمل الأمر، والخبر، والاستغاثة، والقرار. ومن اللافت أن أبو غازي ربط اختياره لهذا المسار بمشهد قديم في السلط، حين شاهد جنديًا يستخدم جهاز اللاسلكي خلال زيارة للملك الحسين إلى المدينة، فاستقر في ذهنه أن هذا الجهاز ليس مجرد آلة، بل باب إلى عالم الخدمة والانضباط.
هكذا انتقل ابن السلط من الكتاتيب إلى الجيش. من صوت الشيخ في غرفة التعليم الأولى، إلى صوت الجهاز العسكري في زمن كانت المنطقة كلها تعيش على حافة التحول.
حين صار الجندي شاهدًا على زمن النار
ليست سيرة أبو غازي (الحاج علي كرم الخليفات) سيرة رجل خدم في وظيفة عادية ثم تقاعد. بل شاهدًا على مراحل عسكرية ووطنية حساسة، من حرب 1967 إلى معركة الكرامة.
الفرق بين “من روى التاريخ” و”من مرّ به” فرق كبير. أبو غازي، في ظهوره الإعلامي، لا يتحدث كقارئ متأخر للحوادث، بل كرجل خرج من جيل كانت الوطنية عنده تجربة معيشة لا شعارًا. لذلك تبدو عبارته: “رضعنا الوطنية وحب الوطن مع حليب الأمهات” أكثر من جملة عاطفية. هي مفتاح لفهم تكوين جيل كامل.
هذا الجيل لم يكن يفصل بين البيت والوطن. الأم، المدرسة، الجيش، العشيرة، الملك، الأرض، كلها كانت في وعيه أجزاء من معنى واحد. قد يختلف الناس اليوم مع بعض أحكام ذلك الجيل على الحاضر، لكن يصعب إنكار أن تجربته تشكلت في ظروف أكثر صلابة وأقل رفاهية.
المختار والوجيه: سلطة الكلمة لا سلطة المنصب
في السنوات اللاحقة، صار أبو غازي حاضرًا في المجال الاجتماعي والعشائري. تردده المواد المتداولة بوصفه “المختار”، و”الوجيه”، و”أحد قامات السلط”. لكن قيمة هذه الأوصاف لا تأتي من اللقب وحده، بل من الدور الذي يمثله الرجل في مدينة مثل السلط.
المختار في البيئة الأردنية القديمة ليس موظف معاملات فقط. هو ذاكرة أسماء، ووسيط اجتماعي، ورجل يُطلب رأيه حين تختلط القرابة بالخلاف، والعرف بالقانون، والحق بالغضب. وقد ورد اسمه ضمن سياقات اجتماعية وعشائرية، بما في ذلك المشاركة في الإصلاح والجاهات والعطوات، إلى جانب حضوره في مناسبات محلية ووطنية.
ما يميز صورة أبو غازي هنا أن وجاهته تبدو أقرب إلى “وجاهة السيرة” منها إلى “وجاهة المنصب”. أي أن الناس لا تشير إليه لأنه صاحب كرسي، بل لأنه صاحب ذاكرة وكلمة ومكانة بين أهله.
أبو غازي والذاكرة الشعبية
لا يظهر أبو غازي كمن يريد أن يروي سيرته فقط. يظهر كمن يريد أن يحاكم الزمن. يتحدث عن التعليم القديم، عن احترام المعلم، عن تبدّل الأسرة، عن الأم التي تغيّرت أدوارها، عن الأعراف التي أثقلت الناس، وعن الولائم التي خرج بعضها عن البساطة الأولى.
هذه ليست مجرد ملاحظات شيخ كبير على زمن جديد. لأن الرجل لا يتحدث من خارج المجتمع، بل من داخله. يعرف كيف كانت العلاقات، وكيف صارت. يعرف ماذا كان يعني أن يلتزم الناس بالعرف، ومتى يتحول العرف من حماية اجتماعية إلى عبء.
ومن عباراته اللافتة: “ما ضاع حق وراه مطالب”، وهي جملة تلخص نظرته إلى الكرامة والحق والمطالبة. ليست دعوة إلى الصدام، بل إلى عدم التفريط. وفي العبارة نفسها شيء من طبيعة السلط: هدوء في النبرة، وصلابة في المعنى.
كما ظهر وهو يتحدث عن السلط والبلقاء والسردية الأردنية، وقد قُدّم فيها بوصفه وجهًا عشائريًا يتحدث عن العادات والتقاليد ودورها في ترسيخ ملامح الهوية المحلية والوطنية. وهذا الحضور الإعلامي الحديث أعاد تقديمه لجمهور أوسع، لا بوصفه رجلًا من الماضي، بل بوصفه حاملًا لذاكرة يمكن أن تضيء الحاضر.
الصديق الذي يعرف رجالات السلط
ثمة جانب آخر مهم في شخصيته: علاقته برجالات السلط وثقافتها الشعبية. ففي حفل إشهار كتاب عن جورج أبو عطا تحدث بوصفه أحد أصدقاء الراحل، مستعرضًا صفاته، ومشيرًا إلى سعة ثقافته وحفظه الكثير عن تاريخ مدينة السلط ورجالاتها.
هذه الإشارة مهمة لأنها تضع أبو غازي (الحاج علي كرم الخليفات) داخل شبكة الذاكرة الثقافية للمدينة، لا داخل الوجاهة العشائرية فقط. فهو يعرف الرجال لا كأسماء في سجل، بل كحكايات وصفات ومجالس. يعرف من كان واسع الثقافة، ومن كان لطيف المعشر، ومن كان يحفظ الشعر، ومن كان يحمل المدينة في صوته.
في مدينة مثل السلط، هذه المعرفة ليست ترفًا. إنها أرشيف شفهي. والأرشيف الشفهي، مهما بدا بسيطًا، هو ما يبقى حين تغيب الوثائق أو تتناثر.
ماذا يبقى من رجل مثل أبي غازي؟
يبقى أولًا أنه شاهد. والشاهد ليس دائمًا من يملك الوثيقة، بل من يملك الذاكرة. وأبو غازي من هذا النوع: ذاكرة تمشي بين الناس، تستعيد مدرسة التل، وصفوف السلط، وجهاز اللاسلكي، وحروب الجيش، ومجالس الرجال، وتحولات الأسرة، وتبدل العادات.
يبقى ثانيًا أنه يمثل جيلًا انتقل من البساطة إلى الدولة الحديثة. جيل بدأ من الكتاتيب، ثم وجد نفسه في الجيش، ثم عاد إلى المجتمع حاملًا خبرة الميدان وهدوء المجالس. وهذا النوع من الرجال لا يُقرأ فقط كسيرة شخصية، بل كجسر بين زمنين.
ويبقى ثالثًا أن حضوره الإعلامي الأخير ليس مجرد ظهور عابر. هو علامة على حاجة المجتمع إلى سماع الذاكرة من أصحابها قبل أن تختفي. فكل مدينة قديمة تحتاج إلى من يرويها من الداخل، والسلط، بما فيها من حجر وبيوت ومدارس ومضافات، تحتاج إلى رجال مثل أبي غازي حتى لا تتحول الذاكرة إلى صور بلا صوت.
في النهاية، لا تبدو سيرة الحاج علي عبد الرحمن الكرم الخليفات مجرد سيرة رجل من السلط. تبدو كأنها جزء من سيرة المدينة نفسها: مدينة تحفظ أسماء رجالها، وتترك لهم مكانًا في الذاكرة، لا لأنهم طلبوا ذلك، بل لأنهم ظلوا قريبين من الناس، من لغتهم، ومن وجعهم، ومن حكايتهم.


