في سجلات الدولة الأردنية، هناك أسماء لا تُكتب بحبر الوظيفة العابرة، بل تُحفر بأفعال الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الوطن عليه. نتوقف اليوم في محطة تكريمية تروي سيرة أحد رجالات الأردن الأوفياء؛ العميد الركن المتقاعد الدكتور عوض عبدالله الكايد الخرابشة. شخصيةٌ استثنائية مزجت بين دقة العسكري، والعمق الأكاديمي، ورقيّ الإنسان ابن العشيرة الذي تسبق أخلاقه وتواضعه رتبه العسكرية، ليحظى بمحبة وإجلال كل من عرفه.
جذور السنديان وثلاثية العلم
في عام ١٩٦٠، تنفس “أبو عبدالله” هواء مدينة السلط للمرة الأولى، متشرّباً من جبالها صلابة الموقف، ومن تاريخها عمق الانتماء. أدرك الشاب الطموح مبكراً أن خدمة الوطن تتطلب عتاداً من نوع خاص، فاتجه نحو “مصنع الرجال” جامعة مؤتة، ليقطف منها بكالوريوس العلوم العسكرية والإدارية.
لم يركن الضابط الشاب إلى ما حققه، فبرزت لديه “عقلية راجحة” ترى في العلم سلاحاً لا يقل أهمية عن البندقية. واصل رحلته الأكاديمية ليحصد الماجستير في العلوم العسكرية، ويُتوج هذا المسار الفكري البارز بنيل درجة الدكتوراة في العلوم السياسية، ليصبح نموذجاً للقائد الأمني القادر على قراءة المشهد الوطني برؤية استراتيجية وسياسية ثاقبة.
عوض باشا الخرابشة |ضابط بمرتبة خبير..
في أروقة معاهد ومدارس القوات المسلحة والأمن العام، كان الباشا الخرابشة تلميذاً نهماً لا يكتفي بالأساسيات. تشكلت خبرته عبر سلسلة طويلة من الدورات النوعية؛ فخاض غمار “كلية القيادة والأركان الملكية“، وتعمق في تفاصيل “مكافحة المخدرات والتزييف“، و”التحقيق والبحث الجنائي“، و”حراسة الشخصيات والمرافقين العسكريين“، وصولاً إلى التعامل مع التهديدات المعقدة عبر دورات “أسلحة الدمار الشامل” و”الأمن المتقدمة“.
من محراب القضاء إلى صناعة الأجيال وقيادة الميدان
لم تكن المناصب التي شغلها “عوض باشا” مجرد كراسٍ، بل كانت ميادين عمل ترك فيها بصمات لا تُمحى. بدأ مساره الحساس في إدارة الشؤون كـ “مدعي عام شرطة العاصمة” ورئيس لقسم المراقبة والشكاوى، وهناك تجلت قدرته على إرساء العدالة وإنفاذ القانون. ولما عُرف عنه من كفاءة، نُدب عضواً لدى محكمة التمييز، تقديراً لوزنه القانوني والفكري.
ولأن القائد الحقيقي هو من يصنع قادة للمستقبل، اتجه نحو صقل الأجيال الأمنية. عمل مدرباً في أكاديمية الشرطة الملكية، وتدرج ليصبح مساعداً للشؤون الأكاديمية والتدريب والإدارة. ثم انتقل إلى كلية العلوم الشرطية ليعمل مساعداً لآمر الكلية ومحاضراً للمواد القانونية والشرطية، سُكب خلالها عصارة علمه لمرتبات الأمن العام عبر المحاضرات والندوات التثقيفية المستمرة.
وفي الميدان القيادي، صدح اسمه في مختلف محافظات المملكة. عمل في قيادة أمن أقاليم الشمال، ونائباً لمدير شرطة إربد، ومديراً بالوكالة لشرطة مادبا، ومديراً لشرطة الرصيفة، ليُكلل هذا التدرج بتسلمه إدارة شؤون الضباط في مديرية الأمن العام. وإلى جانب ذلك كله، لم يغفل عن الجانب الإنساني، فكان عضواً فاعلاً في صندوق شهداء الأمن العام، ومساهماً في ورش الحد من حوادث السير والجريمة.
أوسمة تروي حكاية وفاء
هذه الرحلة المفعمة بالعطاء، لم تمر دون أن تُوثقها الدولة الأردنية بأرفع أوسمة الفخر والاعتزاز. فقد تزيّن صدر العميد الدكتور عوض الخرابشة بـ:
- وسام النهضة (الدرجة الثانية).
- وسام الكوكب (الدرجة الثالثة).
- وسام الاستقلال (الدرجة الثالثة).
- وسام الاستحقاق (الدرجة الرابعة).
- وسام الخدمة الطويلة المخلصة.
كما تُوجت مسيرته المهنية بإشارات كفاءة تؤكد شمولية قدراته، منها: إشارة قمة الوفاق والاتفاق، شارة الأمن الممتازة، وإشارات الكفاءة في (القيادة، الإدارة والفنية، والتدريب)، وشارة المركز الأردني الدولي لتدريب الشرطة.
الترجل عن صهوة الوظيفة
في العشرين من تشرين الأول عام ٢٠١٢، طوى العميد الركن الدكتور عوض الخرابشة صفحة العمل الرسمي، ليُحال إلى التقاعد حاملاً إرثاً من الإنجاز النظيف والسمعة الطيبة. تقاعدَ الباشا من منصبه، لكنه بقي في قلب المجتمع الأردني قامة عشائرية واجتماعية ووطنية تُحترم، ومدرسةً في القيادة والأخلاق ستبقى ملهمة لكل من يبحث عن معاني الانتماء الحقيقي.



