في فجر السبت، الثاني والعشرين من كانون الأول 2018، كانت غرفة في أحد مستشفيات عمان تطفأ فيها آخر شمعة لرجل عمره ثلاثة وثمانون عاماً. كان موت الشيخ سلطان العدوان يعني، عند جمهور الفيصلي على الأقل، أن شيئاً ما من معنى النادي قد انكسر. وعند أهل البلقاء، أن آخر شيوخ المرحلة قد طوى صفحته.
عند ظهر اليوم نفسه، كانت الشونة الجنوبية تستعد لاستقبال جثمان رجلها. من مسجدها الكبير خرج النعش بعد صلاة العصر، يحمله رجال العشيرة وأبناء النادي معاً، إلى مقبرة الشونة، حيث وُورِيَ الثرى في الأرض التي لم يبتعد عنها يوماً، مهما طالت سنواته في عمان وبيروت.

من السلط جاء، وإلى السلط عاد
سلطان العدوان لم يكن مجرد رئيس ناد من العاصمة. كان ابن البلقاء بكل ما تعنيه الكلمة. والده، الشيخ ماجد باشا العدوان، شيخ مشايخ البلقاء في النصف الأول من القرن العشرين، رجل العشائر الذي تركت سيرته أثراً عميقاً في تلك المنطقة قبل أن يرحل سنة 1946 تاركاً سلطان طفلاً في العاشرة.
كبر سلطان وفي رأسه أن السلط ليست عنواناً جغرافيا – بل هوية. حتى في ذروة انشغاله بعمان والنادي والاتحادات، كان البيت في الشونة، والمضافة مفتوحة، والاسم محفوظاً عند كل من يقصده هناك. حين مرض في سنواته الأخيرة، كان كلما خرج من المستشفى يطلب من أولاده أن يأخذوه إلى البلقاء، إلى أرضه، إلى ناسه. وحين مات، لم يكن غريباً أن يدفن هناك. كان يعرف أن العاصمة منحته منصباً، لكن السلط منحته شيئاً لا يمنحه أحد: انتماءً لا يحتاج تعريفاً.
اللاعب الذي صار رئيسا
قصة سلطان مع الفيصلي لم تبدأ من مقعد الرئاسة. بدأت من قدميه. حين عاد من لبنان سنة 1955 بعد أن أنهى دبلوم الزراعة من الجامعة الوطنية في بيروت، كان يحمل في رصيده تجربة لاعب مع فريق النهضة اللبناني، أحد أبرز فرق تلك المرحلة. هذه التفصيلة الصغيرة قد تمر دون انتباه، لكنها مهمة: الرجل لم يأتِ إلى الفيصلي شيخاً ولا متبرّعا ولا رجلا يبحث عن منصب. جاء لاعبا، يعرف وزن الكرة على القدم، ويفهم لغة الملعب من داخلها.
التحق بالفيصلي مهاجما، ومثّل المنتخب الأردني بين 1958 و1967 لاعبا وصفه من عاصره بأنه “نجم لامع“. في تلك السنوات، لم يكن الفيصلي شركة رياضية ولا علامة تجارية، كان ناديا يحتضن كرة القدم والملاكمة وكرة السلة وكرة اليد. وكان سلطان جزءاً من نسيجه قبل أن يكون رأسه.
ثم بدأ التدرّج. عضواً في مجلس الإدارة، فمسؤولاً، فرئيساً. ثلاث فترات رئاسية متعاقبة (مع فواصل بينها)، آخرها استمر حتى آخر يوم من حياته.
العهد الذهبي: حين كان الفيصلي يحلّق آسيوياً
إذا أردت أن تفهم لماذا يبكي جمهور الفيصلي سلطان حتى اليوم، انظر إلى ما حدث في الفترة الثانية من رئاسته، الممتدة من 1992 إلى 2008. هذه السنوات الست عشرة هي عقد الذهب الحقيقي للنادي.
في عهده تحديداً، توّج الفيصلي بكأس الاتحاد الآسيوي مرتين متتاليتين، وكان أول فريق في تاريخ البطولة يحقق هذا الإنجاز المضاعف. أضف إلى ذلك أنه بلغ نهائي البطولة في مرة ثالثة وحلّ وصيفاً، ووصل إلى نهائي دوري أبطال العرب وانتهى ثانياً، ثم إلى نهائي بطولة الأندية العربية أبطال الكؤوس وحلّ وصيفاً كذلك.
محلياً، صارت الكلمة المتداولة في العناوين هي: “الفيصلي.. سلطان اللقب“، “الفيصلي.. جبل الشيخ“. تلاعب بالأسماء كان يخفي حقيقة بسيطة: لم يستطع أحد في تلك المرحلة أن يقترب من الزعيم. الدوري، الكأس، الدرع، السوبر، الفيصلي كان يحصدها كأن صناديقها له وحده.
ثمة سر يذكره من تابعه عن قرب: كان سلطان حاضراً في النادي يومياً. ليس زيارات شرفية ولا حضوراً موسمياً. كان يجلس في مكتبه، يستقبل المدربين، ويتحدث مع اللاعبين قبل المباراة وبعدها، فوزاً كان أم خسارة. ولأن بيت العائلة بعمان والآخر بالسلط، كان يقطع المسافة كلها لأجل اجتماع إداري لو لزم الأمر. سمّاه أحد كتاب الرياضة “بيت الحكمة” في الكرة الأردنية، وكان الوصف دقيقاً.
كرّمه الفيفا بوسام أصحاب العطاء تقديراً لخدمة كرة القدم أكثر من خمسين عاماً. وحين رحل، منحته الدولة الأردنية وسام الاستقلال من الدرجة الأولى في 2019.
الموقف الذي بقي
من أكثر ما يُذكر عنه قوله، حين كان يدخل المستشفى في سنواته الأخيرة، لمن حوله: “ديروا بالكم على الفيصلي“. جملة بسيطة، شعبية، صارت كأنها وصيته. جمهور النادي يردّدها حتى اليوم في المنتديات والصفحات وعلى الجدران.
في زمنٍ كانت فيه الكرة الأردنية تتحول تدريجياً إلى سوق، وقف سلطان في الاتجاه المعاكس. رفض الانتقالات التجارية البحتة، آمن بأن الفيصلي هوية قبل أن يكون ميزانية، وأن الاستقرار الفني والإداري هو المفتاح. تعاقد مع أفضل المدربين، حافظ على نواة الفريق، ولم يبدّل لاعبيه كل موسم. النتيجة كانت أمامك في الجدول. خصومه قبل محبيه عرفوا أن قرار سلطان لا يُكسر.
ومن المواقف التي حفظها التاريخ الرياضي، استقالته من اتحاد كرة القدم قبل افتتاح ستاد عمان. كان رأيه أن المنتخب الأردني، بمستواه آنذاك، ليس جاهزاً ليواجه المنتخب المصري في الافتتاح، واقترح أن يأتي ناد مصري بدلاً منه. صرّ الجميع على المنتخب، فاستقال. حدثت المباراة، وكانت النتيجة قاسية. أثبتت الأيام أن رأيه كان صحيحاً، لكنه لم يحتفل بذلك ولم يقل “أنا قلت لكم“.
حين رحل، انكسر شيء ما
نعاه الأمير علي بن الحسين، رئيس اتحاد الكرة، بكلمات خرجت من قلب لا من بروتوكول: “لقد كنت، ومنذ بداية مسيرتي بكرة القدم الاردنية، الصديق وصاحب المشورة والسند، وسنفتقد ذلك، وسنشتاق الى حكمتك ودورك القيادي، و حرصك على البلد“. ووصفه بـ”عميد الكرة الأردنية“.
على وسائل التواصل، انفجرت موجة لم تتوقعها العشيرة ولا النادي. جمهور الفيصلي على فيسبوك وتويتر كتب آلاف المنشورات. “راح عمود البيت“. “اليوم يتيم الفيصلي“. “شيخنا اللي ما تعوّض“. حتى جماهير الأندية المنافسة كتبت تعازيها، اعترافاً بأن الرجل كان فوق الخصومات. صفحات النادي الرسمية أعلنت الحداد، وقاعة عمان في المدينة الرياضية امتلأت في تشييعه بمن لا يحصيهم العدّ.
كان الانطباع العام في الجنازة وفي المنشورات: لم يمت رئيس نادٍ فقط. مات عهدٌ كامل في الكرة الأردنية.
بعد سلطان العدوان: السنوات الصعبة
ما حدث بعد رحيله يفسّر، بشكل قاسٍ، حجم ما خسره النادي. تسلّم نجله بكر العدوان الراية، حاول أن يكمل، لكن الزمن تغيّر، والتحديات صارت أكبر من أن يحملها اسم وحده.
ثم جاءت السنوات الثقيلة. الدوري الأردني غاب عن خزائن الفيصلي موسمين متتاليين. اللقب القاري بات حلماً بعيداً. مجالس إدارة تتعاقب، اتهامات متبادلة، وجمهور غاضب يشعر أن النادي يهوي.
في آذار 2025، قدّم رئيس النادي نضال الحديد ونائبه أحمد وريكات وعضوان من الإدارة استقالاتهم رسمياً إلى وزارة الشباب. الأزمة المالية بلغت ذروتها: شكاوى مرفوعة ضد النادي بقيمة 160 ألف دينار أردني، ومستحقات لاعبين سابقين كإبراهيم دلدوم وعدي زهران وسيف عوض، ومخاطر فقدان الرخصة الآسيوية في حال عدم تسوية الملف.
شُكلت لجنة مؤقتة برئاسة أحمد وريكات لإدارة النادي لستة أشهر. لكن الفيصلي ظل يعيش في فراغ. اللاعبون يشكون من الرواتب، الجمهور يحتجّ، وسائل التواصل تغلي. في نيسان 2026، أرسلت الهيئة المؤقتة كتاباً للاتحاد ترفض فيه تحديد موعد ديربي الفيصلي والحسين في يوم عمل، احتجاجاً على أن المباراة جماهيرية ولا يصحّ أن يخسر النادي حضور أنصاره.
تخيّل المشهد: نادٍ كان قبل عقدين يلعب في النهائي الآسيوي، صار اليوم يجادل على توقيت مباراة محلية. كثيرون من جمهور النادي يربطون بين هذا الانحدار وبين رحيل سلطان. ليس لأن الرجل كان معجزة، بل لأن غيابه كشف أن النادي لم يبنِ مؤسسة تكمل من بعده. كان البنيان كله متّكئاً على ظهره.
في صفحات الفيصلي اليوم، تجد منشوراً متكرراً كل عام في يوم وفاته: صورته بالشماغ، نظرته الهادئة، وتحتها كلمته الأخيرة: “ديروا بالكم على الفيصلي“. وتعليقات لا تنتهي تقول جملة واحدة بصيغ مختلفة: لو كنت معنا.
ماذا يبقى من رجل مثل سلطان؟
يبقى أن سيرته نظيفة. لا قضايا فساد، لا ملاحقات قضائية، لا شركات مشبوهة، لا اتهامات مالية. وهذا في حد ذاته إنجاز في زمنٍ تعثّر فيه كثيرون. كان الرجل نظيف اليد، كما وصفه أحد من عرفوه عن قرب، يعطي ولا يأخذ.
يبقى أنه آمن بالقضية الفلسطينية وعبّر عن موقفه منها صراحةً، حتى حين تطلّب الأمر تبرؤاً علنياً من شخصٍ ادّعى الانتماء للعشيرة وهاجم القضية. خرج بياناً مقتضباً: “غير معروف لدى العدوان“. لا أكثر. ولم يحتج أكثر.
يبقى أنه رجلٌ من جيل يعرف فرق المضافة، ويحفظ مكانة الكلمة، ويدافع عن الاسم لا عن الكرسي.
ويبقى السؤال الذي يطرحه جمهور الفيصلي اليوم على أنفسهم، وعلى من تولّى وعلى من سيتولّى: من سيقول كلمة سلطان من جديد؟ “ديروا بالكم على الفيصلي”؟
ربما الإجابة ليست في رجلٍ واحد. ربما هي في أن يصير النادي مؤسسةً لا تنكسر بموت أحد. هذا، إذا تحقّق، سيكون الوفاء الحقيقي لسلطان. أما البقاء على ذاكرة الستار والشموع وصور النعي، فهذا أقل ما يستحقّه شيخٌ من السلط أعطى الفيصلي ستين سنة من عمره.


