لو ابتعدنا قليلاً عن أجواء التشاؤم التي تسيطر على جلساتنا، ودعونا نتحدث بواقعية إلى ما يحدث على الأرض الآن في منتصف عام 2026، سنجد الأردن يخطو خطوات عملية على الأرض، ليثبت أن عصر “المشاريع الورقية” والخطط التي تبقى حبيسة الأدراج قد انتهى، وهذه المرة، القصة ليست مجرد وعود أو أحلام ننام ونصحو عليها، ببل ببدء تنفيذ أضخم مشروعين في تاريخ المملكة، وهما الناقل الوطني للمياه وسكة حديد العقبة.
الناقل الوطني: وداعاً لـ “تنكات المي”
القصة ببساطة أن أكبر استثمار في تاريخ الدولة، بقيمة 5.8 مليار دولار، بدأ يتحرك فعلياً. نحن نتحدث عن تحلية 300 مليون متر مكعب من مياه البحر الأحمر، وضخها لارتفاع 1100 متر، لتقطع مسافة 450 كيلومتراً حتى تصل إلى حنفية بيتك.
وهنا لا بد من الحديث بشفافية عن النقطة التي تشغل بال الكثيرين: “هل سيرتفع سعر المياه؟”
تتداول الأخبار احتمالية تعديل تعرفة المياه مستقبلاً لدعم استدامة هذا المشروع الضخم. لكن، لو نظرنا للأمر بحسبة بسيطة وإيجابية، سنجد أن الأهم من التكلفة هو “توفر الخدمة“. ضمان وصول المياه لمنزلك 3 أيام في الأسبوع بدلاً من يوم واحد، ومضاعفة حصة الفرد من 60 إلى 110 أمتار مكعبة، سيوفر عليك فعلياً مئات الدنانير التي تضطر لدفعها لشراء “تنكات المياه” الخاصة بأسعار مضاعفة ومستغلة كل صيف.
التعديل المحتمل في التعرفة ليس ضريبة، بل هو استثمار مباشر في استقرارك المائي، وتوفير لراحة بالك، وتأمين لمورد حياة مستدام، بدلاً من البقاء تحت رحمة شح الأمطار وتقلبات المناخ. علاوة على ذلك، نجحت الحكومة بعد مفاوضات استمرت 16 شهراً في تخفيض تكلفة المتر المكعب من 3 دولارات إلى 2.7 دولار، مما يعني توفير 2.5 مليار دولار على ميزانية الدولة خلال 30 عاماً.
“سكة حديد الحجاز”.. شريان يربطنا بالعالم
بالتزامن مع شق طريق المياه، هناك مشروع آخر يخرج إلى النور. مطلع العام القادم سيشهد وضع حجر الأساس لسكة حديد العقبة (التي تعيد أمجاد سكة حديد الحجاز)، لتربط مناطق التعدين في الشيدية ومعان بميناء العقبة، وتمتد لاحقاً إلى السعودية، وصولاً إلى تركيا وأوروبا. هذا المشروع ليس مجرد قطار يمر عبر الصحراء، بل هو تحويل للأردن إلى شريان تجاري عالمي وقلب نابض يربط القارات ببعضها.
هل سنشعر بالفرق حقاً؟
بالتأكيد، من حق أي مواطن أن يسأل: هل سنشعر بأثر هذه المليارات في جيوبنا؟ وهل ستُحل أزمة المواصلات، وتتوفر فرص العمل للشباب قريباً؟
هذه الأسئلة محقة وتنتظر إجابات ملموسة تنعكس على حياة المواطن المنهك. لكن الأهم اليوم هو أن عجلة العمل قد دارت. الأردن قرر أن يبني مستقبله بيده، وأن يشرب من البحر متى شحت الغيوم، صانعاً حلاً جذرياً لمشكلة استعصت لعقود.
في عام 2030، سننظر إلى هذه الأيام ونقول: لقد كنا جزءاً من المرحلة التي قرر فيها الأردن أن ينهض، ويبني، ويطوي صفحة الانتظار.
اليوم، الخيار بيدك؛ إما أن تكون شاهداً وشريكاً في البناء، لتقول لأبنائك في عام 2030: “كنت هناك يوم قررنا ألا نعطش أبداً“، أو أن تبقى تدور في فلك التشكيك وجلد الذات. الأردن بدأ العمل، وعصر المشاريع الورقية قد انتهى.


