لم تكن الفعالية الفنية التي احتضنتها مدينة البتراء الأثرية في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك مجرد حدث ترفيهي مرّ بسلام؛ بل تحولت سريعاً إلى شرارة أشعلت نقاشاً وطنياً واسعاً تجاوز حدود منصات التواصل الاجتماعي ليصل إلى عمق التساؤلات حول فلسفة السياحة في الأردن. هذا الجدل الحاد وضعنا جميعاً أمام مواجهة صريحة مع سؤال جوهري: هل يمكن أن ننعش اقتصادنا سياحياً دون أن نضحي بهويتنا وقيمنا؟ وهل تبرر الأرقام والمكاسب المادية خدش الوقار التاريخي لمدينة الأنباط؟
مبررات القطاع: السياحة بلغة الأرقام والإنقاذ
في الجانب الأول من المشهد، يقف المدافعون عن الفعالية متسلحين بلغة الأرقام والواقع الاقتصادي الصعب. فالقطاع السياحي في جنوب المملكة يعاني منذ فترة من تراجع حاد في أعداد السياح الأجانب نتيجة للظروف الإقليمية المحيطة، وهو ما انعكس سلباً على خزينة الدولة، وعلى مستويات إشغال الفنادق، والمطاعم، وقطاعات النقل، والحرفيين الذين تشكل السياحة مصدر رزقهم الوحيد.
من هذا المنطلق، ترى الجهات التنظيمية والرسمية أن إقامة الحفلات والمهرجانات الموسيقية هي أداة عالمية متعارف عليها لجذب الزوار المحليين والعرب، وإطالة أمد إقامة السائح، وتحريك عجلة السوق الراكدة. وبحسب هذا المنظور، فإن الفعالية كانت خطوة إنقاذية ضرورية لقطاع يلفظ أنفاسه، مؤكدين أن تنظيم خيارات سياحية متنوعة يرضي مختلف الأذواق.
عتب الشارع: السياحة الذكية لا تقتل القيم
لكن، وعلى الغلاف المقابل للمشهد، جاء الرد الشعبي غاضباً وحازماً؛ فالاعتراض الواسع لم يكن يوماً ضد فكرة “تنشيط السياحة” أو تشغيل الفنادق، بل كان اعتراضاً على “شكل وأسلوب” هذا التنشيط. لقد تداول الأردنيون مقاطع وصوراً من الحفل أظهرت أجواءً من الصخب والسلوكيات التي اعتبرها الكثيرون هجينة ومستفزة، ولا تمثل عادت المجتمع الأردني المحافظ وقيمه الدينية والاجتماعية.
إن الخطأ الفادح الذي وقع فيه المنظمون هو محاولة تسويق “البتراء” —التي تُعد إحدى عجائب الدنيا السبع وإرثاً حضارياً يتسم بالهيبة والوقار— وكأنها مجرد قاعة حفلات أو نادٍ ليلي مفتوح. لقد غاب عن خطط التسويق أن السائح الذي يقطع آلاف الأميال لزيارة “المدينة الوردية” يأتي باحثاً عن التاريخ، والهدوء، وسحر العمارة النبطية القديمة، وليس عن صخب الموسيقى الإلكترونية التي يمكنه إيجادها في أي عاصمة أوروبية. موازنة الاقتصاد ودعم المستثمرين لا يمكن، بأي حال من الأحوال، أن تُتخذ كذريعة أو غطاء للتنازل عن الهوية الوطنية أو تهميش الخصوصية الثقافية للمجتمع الأردني وأهله.
نحو صيغة توافقية: كيف نكسب السياحة ولا نخسر المجتمع؟
إن المخرج من هذا المأزق الفكري لا يكمن في إغلاق الأبواب أمام الفعاليات، بل في الارتقاء بنوعيتها. السياحة الناجحة والذكية هي تلك التي تستثمر في “عراقة المكان” وتصنع منه تجربة فريدة. البتراء تليق بها الأمسيات الثقافية الراقية، وعروض الأوركسترا السيمفونية الهادئة، والمهرجانات التي تعيد إحياء تاريخ الأنباط من خلال الضوء والصوت والشعر؛ وهي فعاليات تجذب سياحة عالية القيمة، وتدر عوائد اقتصادية ضخمة للفنادق والمجتمع المحلي، وتحافظ في الوقت ذاته على قدسية المكان وكرامته التاريخية دون إثارة حفيظة الشارع.
خاتمة
في نهاية المطاف، أعادت حادثة حفل البتراء ترتيب الأولويات؛ فالإرث الحضاري للأردن ليس سلعة تُعرض للبيع المعنوي من أجل ربح سريع، بل هو أمانة تاريخية. على صناع القرار في القطاع السياحي أن يدركوا أن المجتمع المحلي هو الشريك الأساسي في إنجاح أي رؤية سياحية، وأن الحفاظ على الخطوط الحمراء للقيم والعادات هو الضمانة الوحيدة لبناء سياحة مستدامة تحترم الماضي وتدعم المستقبل.



